عربي
Thursday 24th of May 2018

دور الائمة في القضاء علی الانحراف

دور الائمة في القضاء علی الانحراف

الأمر الأوّل الذي كان الأئمّة يمارسونه في حياتهم هو محاولة القضاء على الانحراف الموجود في تجربة المجتمع الإسلامي، وإرجاع التجربة إلى وضعها الطبيعي، وذلك بإعدادٍ طويلِ المدى، وبتهيئة الظروف الموضوعيّة التي تناسب وتتّفق مع إرجاع التجربة إلى وضعها الطبيعي.
فمتى كانت الظروف الموضوعية مهيّأةً، كان الأئمة (عليه السلام) على استعدادٍ لأنْ يمارسوا إرجاع التجربة إلى الوضع الطبيعي، كما مارس أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال بأنّ الله أخذ عهداً على الإنسان أن لا يقرَّ على الظلم مع وجود الناصر والناصر موجود...( «وما أخذ الله على العلماء ألّا يقارّوا على كظّة ظالمٍ ولا سغب مظلوم»(1)
وكلمة (الناصر) استبطنت كلَّ الحدود والظروف الموضوعيّة التي سوف تذكر في ما بعد، والتي تجعل في قدرة الإمام المعصوم أن يحاول إعادة التجربة الإسلاميّة إلى وضعها الطبيعي ووضعها الصحيح.
هذا هو الأمر الأوّل، الذي يعني الإعدادَ والعملَ لتهيئة المقدّمات والظروف الموضوعيّة للتمكّن من إعادة التجربة إلى وضعها الطبيعي والصحيح.
تعميق الرسالة فكريّاً وروحيّاً وسياسيّاً في ذهن الاُمّة:
الأمر الثاني الذي كان يمارسه الأئمّة (عليهم السلام) -حتّى في حالة الشعور بعدم وجود هذه الظروف الموضوعيّة، وبعدم تحقّق هذه الظروف التي تهيّئ الإمام (عليه السلام) لخوض المعركة في مقام تسلّم زمام الحكم من جديد، هذا الأمر الذي كان يمارسه الأئمّة (عليهم السلام)..- هو تعميق الرسالة فكريّاً وروحيّاً وسياسيّاً في ذهن الاُمّة الإسلاميّة؛ بغية إيجاد تحصينٍ كافٍ تامٍّ في صفوف الاُمّة الإسلاميّة؛ وذلك لكي يؤثّر هذا التحصين في مناعتها وفي عدم انهيارها بعد تردّي التجربة وسقوطها.
كان من اللازم بعد أن حرمت الاُمّة الإسلاميّة من التجربة الصحيحة للحياة الإسلاميّة بعد وفاة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) أن تطعّم وأن تغذّى رساليّاً بالإسلام، تغذّى في مجالها الروحي، وفي مجالها الفكري، وفي مجالها الاجتماعي والسياسي، في جميع هذه المجالات تغذّى الاُمّة بالإسلام، وتحصّن بالإسلام لكي تعرف الإسلام وتستوعبه.
وأعني بتعبئة الاُمّة هنا: لا مجموع الاُمّة؛ لأنّ هذه لا يمكن أن تتحقّق بالنسبة لمجموع الاُمّة إلّا في حال وجود قيادةٍ تمارس التجربة، تمارس الحكم في الدولة والمجتمع. ولكنّ الذي أعنيه في المقام من تعبئة الاُمّة هو إيجاد قواعد واعيةٍ في الاُمّة، وإيجاد روحٍ رساليّةٍ في الاُمّة، وإيجاد عواطف تجاه هذه الرسالة في الاُمّة.
هذا هو الأمر الثاني الذي مارسه الأئمّة (عليهم السلام) على طول الخطّ، وإن كان الأئمّة (عليهم السلام) حتّى في حالة شعورهم بعدم إمكان استرجاع مركزهم المغصوب من الخلفاء الغاصبين، حتّى في هذه الحالة كانوا يعملون عملاً مهمّاً جدّاً لإنقاذ
وجود الاُمّة في المستقبل، وضمان عدم انهيارها الكامل وتفتّتها كاُمّةٍ بعد سقوط التجربة، وذلك بإعطاء التحصين الكامل المستمرّ لهذه الاُمّة، على تفصيلٍ سوف يأتي إن شاء الله تعالى خلال بحث هذه الفكرة بالتوسيع.
تمثّل الانحراف في تغييب الرسالة لا الشخص:
وقع الانحراف بعد وفاة النبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله). هذه هي بداية البحث في تسلسل هذه الفكرة، وكان هذا الانحراف الذي وقع بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) انحرافاً أساسيّاً وخطراً جدّاً، بالرغم من أنّه لم يمسَّ -في ظاهر الحال- إلّا ميداناً واحداً من الميادين التي كان يعتمد عليها الإسلام في بداية الأمر.
لعلّ كثيراً من الناس هكذا بدا لهم: أنّ هذا الانحراف لا يعني أكثر من أنّ شخصاً كان مرشّحاً من قبل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أو من قبل الله سبحانه وتعالى، وهذا الشخص قد اُقصي أو غصب حقّه واُعطي حقّه لشخصٍ آخر بدلاً عنه.
قد يكون هذا الشخص الآخر قادراً على أن يقوم مقامه في هذه المهمّة، قد يكون في ظاهر الحال هكذا يُتخيَّل: يُتخيَّل أنّ الانحراف كان يتمثّل في اعتداءٍ على حقّ شخصٍ معيّن، وسلب هذا الحقّ من هذا الشخص المعيّن، وتسلّمه [من قِبَل ] شخص آخر من الخلفاء الذين تسلّموا زمام الحكم بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله).
إلّا أنّ الانحراف لم يكن انحرافاً شخصيّاً أو سهلاً أو بسيطاً بهذا المقدار؛
الإسلام رسالة تربيةٍ للإنسان، رسالة جاءت لتبني الإنسان من جديد، وبناء الإنسان من جديدٍ يتوقّف على السيطرة على كلّ المجالات التي يمكن للإنسان أن يمارس حياته ونشاطه عليها؛ لأنّ المربّي ما لم يسيطر على كلّ تلك المجالات، وما لم يمتلك زمام كلّ تلك الميادين لا يمكنه أن يسيطر على كلّ أبعاد الإنسان، وبالتالي أن يربّي الإنسان وفقاً للرسالة التي جاء بها.
التربية الشاملة الكاملة للإنسان -بحيث يبني إنساناً إسلاميّاً جديداً متميّزاً بكلّ أبعاده وجهاته ومقوّماته عن إنسان ما قبل الإسلام، عن إنسان الجاهليّة- هذا يتوقّف على أن يسيطر المربّي على كلّ المجالات التي يعمل عليها الإنسان، يسيطر على مجال العلاقات الفرديّة مع الإله، يسيطر على مجال علاقاته مع الآخرين في النطاق العائلي والمجال الاجتماعي، يسيطر على كلّ هذه المجالات؛ لأنّه لو لم يسيطر على أيّ واحدٍ منها يكون معنى ذلك أنّ جزءاً من الإنسان لم يُسيطَر عليه. وبما أنّ الإنسان يتفاعل مع كلّ هذه المجالات، يكون عدم السيطرة على واحدٍ منها معناه أنّه لم يسيطر على جزءٍ من الإنسان، وبالتالي لم يستطع أن يربّي الإنسان.
أنتم ترون أنّ الأب لا يستطيع أن يربّي ابنه تربيةً كاملةً شاملة؛ لأنّه ليس المربّي الوحيد لابنه؛ ولأنّ هناك أشياء تشاركه في تربيته ابنَه، يشاركه في تربيته زملاؤه في المدرسة، وأساتذته في المدرسة، والمجتمع الذي يعيش فيه، الشارع الذي يلعب فيه، القوانين التي تطبّق عليه من قِبَل الدولة، كلّ هؤلاء يشاركون في تربية ابنه.
فالتربية الشاملة الكاملة لا تكون إلّا بالهيمنة الكاملة على كلّ هذه المجالات، بحيث أنْ تؤخذ خيوط هذه المجالات بيد المربّي، وبعد هذا يستطيع أن يحدّد الاُطروحة الصحيحة للإنسان الأفضل.
على هذا الأساس كانت سيطرة الإسلام على كلّ المجالات -بما فيها المجال الاجتماعي، الذي هو رأس هذه المجالات، كان هذا- جزءاً أساسيّاً من التركيب الإسلامي، من الاُطروحة الإسلاميّة. كان من الضروري جدّاً للنبي (صلّى الله عليه وآله) أن يسيطر على كلّ هذه المجالات، لا أن يكون واعظاً في المسجد فحسب، ولا أن يكون اُستاذاً في حلقةٍ فحسب، بل يكون هذا وذاك، ويكون -إضافةً إلى هذا وذاك- رائداً للمجتمع، حاكماً للمجتمع في كلّ ما يصبو إليه المجتمع من آمالٍ وأهداف، ويكون مخطِّطاً ومقنِّناً للمجتمع في كلّ ما يحتاج إليه المجتمع من قوانين ونظم.
هذا هو اُسلوب التربية الكاملة الشاملة الذي اختاره الإسلام، وليس من الكلفة أن يقال في نصٍّ نبويٍّ: «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهليّة»(2)؛ لأنّ الارتباط بالإمام، الارتباط بالقيادة، جزءٌ من التربية الشاملة الكاملة للإنسان.
إذاً، كانت القيادة الإسلاميّة للحياة الاجتماعيّة جزءاً ضروريّاً لإنجاح الحياة الإسلاميّة، والثروة الإسلاميّة، وإنتاج الاُمّة والفرد والعائلة.
بناءً على هذا، نستطيع أن نعرف أنّ أيّ انحرافٍ يحصل في مجال قيادة المجتمع وقيادة التجربة الإسلاميّة، أنّ أيّ انحرافٍ يقع في هذه القيادة، فهو يهدّد المخطَّط كلَّه بكامله؛ لأنّ هذا الانحراف سوف ينزع هذا المجال من يد الإسلام، وإذا انتزع هذا المجال من يد الإسلام فسوف لن يسيطر على جزءٍ كبيرٍ من الإنسان، وبالتالي -وبقانون التفاعل بين الأجزاء بعضها مع بعضٍ- سوف لن يسيطر على بقيّة الأجزاء.
يعني: إنّ الانحراف في هذا المجال يشكّل بداية خطرٍ على التجربة الإسلاميّة كلّها، على عمليّة التربية الإسلاميّة كلّها، ولم يكن مجرَّدَ استبدال شخصٍ بشخصٍ آخر، لم يكن ظلماً لعليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) بما هو عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وإنّما كان ظلماً للتجربة الإسلاميّة، وبالتالي للبشريّة كلّها.
عدم كفاءة قيادة التجربة الإسلاميّة:
هذا الانحراف وقع بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله)، وتمثّل في أنّ جماعةً من صحابة الرسول (صلّى الله عليه وآله) لم يرتضوا عليّاً المنصوصَ عليه من قبل النبي (صلّى الله عليه وآله) للخلافة، فتصدّى بعضُهم لها، ومارس هؤلاء المرشّحون الحكمَ وقيادةَ التجربة الإسلاميّة، مارس أبو بكر ذلك، ومن بعده عمر بن الخطّاب، ثمّ عثمان بن عفّان.
هؤلاء الصحابة تارةً ننظر إليهم بمنظارٍ شيعيٍّ خاصّ، وهذا المنظار لا نريد أن نتحدّث به، ولكنّا ننظر إلى هؤلاء بقطع النظر عن هذا المنظار الخاصّ، فنقول: إنّ تسلّم هؤلاء لزعامة التجربة الإسلاميّة كان يشكّل بداية الانحراف، وكان سبباً حتميّاً لتأرجح التجربة بين الحقّ والباطل، واستبطانها شيئاً من الباطل، واتّساع دائرة الباطل بالتدريج، وذلك [لعدّة اُمور]:
1- الرواسب الجاهليّة:
أمّا أوّلاً؛ فلأنّ هؤلاء الصحابة الذين تسلّموا زمام الحكم اُناسٌ يشهد التاريخ عن حياتهم بأنّهم عاشوا الجزء الأكبر من حياتهم في عصرٍ جاهلي ، وضمن إطار التفكير الجاهلي في كلّ ما كانوا يفكّرون فيه [أو يعملون فيه ] أو يتألّمون منه، في كلّ مجالاتهم الاجتماعيّة ومجالات أهدافهم ومجالاتهم الفكريّة والعقائديّة، كانوا يعيشون الإطار الجاهلي بكلّ معناه، بعد هذا دخلوا في الإسلام.
ولا نريد أن نتحدّث عن طبيعة دخولهم في الإسلام. لنفترض أنّ دخولهم في الإسلام كان دخولاً حسناً، وأنّهم عاشوا مع النبي (صلّى الله عليه وآله) عيشةً حسنة، ولكنّ بذور الجاهليّة لم تُستأصل من أفكارهم وعقولهم؛ بدليل أنّهم -بالرغم من عيشهم مع النبي (صلّى الله عليه وآله)، وبالرغم من الادّعاء بالاستئثار بلطف النبي (صلّى الله عليه وآله)، بالرغم من كلّ هذا- كانوا بين حينٍ وآخر يعلنون عن تقاليد وتصوّراتٍ ترتبط بالوضع الذي كانوا يعيشونه قبل الإسلام:
ألف- احتجاج الخليفة الثاني على متعة الحجّ:
احتجاج الخليفة الثاني مثلاً على متعة الحجّ؛ فبالرغم من أنّ متعة الحجّ عملٌ عباديٌّ خالصٌ لا يرتبط بأيّ مصلحةٍ من مصالح الدنيا المعلومة، وبالرغم من أنّ الإنسان العاقل لا يستطيع أن يدرك بعقله أيّهما أحسن: هل الأحسن العمرة المستمرّة إلى الحجّ؟ أو العمرة المتحلّل منها التي يأتي بعدها الحجّ؟ هذا العمل العبادي الذي لا تستطيع عقولنا أن تفضّل فيه بين الطريقتين اللتين يمكن أن يؤدّى بهما..
هنا عمر لم يتأثّر في احتجاجه بعقله؛ لأنّه لا محلّ للعقل في التفضيل في هذا المقام، وإنّما تأثّر بطبيعة تربيته وعاداته وتقاليده. وحيث إنّ الجاهليّة كانت ترفض التحلّل بين العمرة والحجّ (3)، تأثّر الخليفة الثاني تأثّراً إلى درجةٍ أن يردّ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وجهاً لوجهٍ، مفضّلاً طريقة الجاهليّة على طريقة الإسلام (4).
وفي حياة الخلفاء الثلاثة شواهدُ كثيرةٌ على هذا تظهر بين حينٍ وحين (5).
ولا نريد من هذا أن نقول بأنّ هؤلاء كانوا اُناساً يستبطنون الكفر والعداء للإسلام أو لشخص رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ فإنّ الحديث عن هذا قد جمّدناه، ولكن ما قلناه يمكن أن ينسجم حتّى مع التصوّر السنّي لهؤلاء؛ بأن نقول: هؤلاء صحابة صالحون، ولكنّهم مع هذا كلّه لا يزال الراسب الجاهلي يعيش في أعماقهم بدرجة 30، 40، 50 % مثلاً، وأمّا الباقي فأصبح إسلاميّاً.
ب- النظر إلى النبوّة بوصفها سلطاناً:
مثلاً: في يوم السقيفة، تعلمون بأنّ الخليفة الأوّل والثاني قالا: «من ينازعنا سلطان محمّد»؟!(6).
كان محمّد (صلّى الله عليه وآله) شيخ قبيلةٍ وهم شيوخ هذه القبيلة، وبعد أن مات شيخ القبيلة الأوّل يتولّى شيوخ القبيلة الآخرون.
«من ينازعنا سلطان محمّد؟!»، هذا راسب جاهلي.
قد لا يكون عمر أو أبو بكر يعيش هذا الراسب [في تمام حالاته، بل يكون في بعض الحالات يترفّع عن هذا الراسب ]، قد يكون الجانب الإسلامي يتغلّب على الجانب الجاهلي، ولكن حيث إنّ الراسب موجود، فإنّ جزءاً من نفسه يمثّل هذا الراسب، ولهذا يطفو هذا الراسب في لحظاتٍ عديدةٍ من حياتهم الاجتماعيّة والسياسيّة.
إذاً، فهؤلاء الخلفاء -بحكم وضعهم وحياتهم- لم يكونوا اُناساً قد اجتثّت الجاهليّة من نفوسهم اجتثاثاً تامّاً، بل كانت الجاهليّة تعيش في نفوسهم في حالةٍ واضحةٍ ملحوظةٍ تنعكس على سلوكهم بين حينٍ وآخر.
وحينئذٍ، فهؤلاء حينما يتزعّمون قيادة التجربة الإسلاميّة فبطبيعة الحال: مجموع الأفكار والعواطف التي يمثّلها أبو بكر أو عمر أو عثمان هي التي تحكم وهي التي تسود، فمعنى ذلك أنّ الجاهليّة سوف تشارك الإسلام في الحكم، وسوف يصبح للجاهليّة حكمٌ وتزعّمٌ في توجيه التجربة الإسلاميّة التي جاءت لأجل أن تنقذ الإنسان من الجاهليّة إلى الإسلام، وتصنع الإنسان الجديد، وتقضي على الإنسان القديم. بينما كان المفروض هكذا، وإذا بالجاهليّة تشارك الإسلام في الحكم.
عدم استيعابِ الرسالة الإ سلاميّةو التهيّؤِ للحكم:
وأمّا ثانياً، فإنّ هؤلاء -بقطع النظر عن جهة الراسب الجاهلي- لم يكونوا مهيَّئين للحكم ؛ لم يكونوا قد استوعبوا الرسالة الإسلاميّة استيعاباً كاملاً؛ لأنّ هؤلاء الصحابة تأثّروا بالمحنة، عاشوا المحنة السياسيّة للدولة الإسلاميّة، المحنة العسكريّة لهذه الدولة. الدولة الإسلاميّة كانت في خضمّ الحروب وفي خضمّ الفتن، وفي منازعاتٍ مع المشركين من ناحية، ومع اليهود من ناحيةٍ اُخرى، ومع سائر قبائل العرب من ناحيةٍ ثالثة.
إذاً، خضمُّ هذا الصراع العسكري والسياسي كان يجعل الصحابة دائماً في دوّامة التفكير في كيفيّة حماية الدولة الإسلاميّة، وفي كيفيّة الدفاع عنها، وفي كيفيّة المساهمة في حروبها.
تعلمون أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) غزا عشرات المرّات (7) في فترة قصيرة، [غزا] في عدّة سنوات عشرات الغزوات، غزوات أعمّ من أن يكون قد وقع فيها قتال أو لم يقع فيها قتال؛ فالحياة كانت قلقة، حياةَ صراعٍ عسكريٍّ وسياسيٍّ مع الأعداء، مع المشركين، مع المنافقين، من كلّ صوبٍ وحدب، لم يكن ليتوفّر لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) الوقتُ لتدريبهم وتثقيفهم على مستوى القيادة.
صحيحٌ أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان يمارس تثقيفاً عالياً لأجل إيجاد اُمّةٍ واعية، اُمّةٍ تتمتّع بالحدّ الأدنى من الوعي، ولكن لم يكن هناك تخطيطٌ من قِبَل النبي (صلّى الله عليه وآله)، أو: لم يكن هناك تخطيطٌ من قِبَلهم أيّام النبي (صلّى الله عليه وآله) في أن يُثقِّفوا أنفسهم ويهيِّئوا أنفسهم لكي يتسلّموا الحكم بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ولهذا قال عمر بن الخطّاب عندما عزّت عليه الفتوى أنّه: ألهانا أيّام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الصَّفْقُ في الأسواق عن تعلّم مثل هذا الحكم (8).
نحن لا نقول: إنّه ألهاه الصَّفْقُ في الأسواق، افرضوا: ألهته الحرب والغزو والجهاد في المقام عن تعلّم مثل هذه الأحكام، مع هذا هو في النتيجة لم يتهيَّأ لمستوى القيادة. [سواءٌ] قلنا بأنّه اشتغل بالصفق في الأسواق كما هو يعترف، أو انشغل بوضع الدولة الإسلاميّة وظروفها السياسيّة والعسكريّة، على أيّ حالٍ: لم يتهيّأ للقيادة.
من هنا نرى أنّ أبا بكر وعمرَ كانا عاجِزَين عن تحديد أبسط الأحكام الشرعيّة؛ لأنّه لم يكن [عندهما] تثقيف للاختزان إلى ما بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
قلنا في بعض الأيّام السابقة: إنّ صلاة الميّت التي كان يمارسها النبي (صلّى الله عليه وآله) أمام المسلمين، وكان يمارسها في كلّ يوم تقريباً؛ لأنّه كان هناك عددٌ كبيرٌ من المسلمين يموتون، وكان النبي (صلّى الله عليه وآله) يصلّي عليهم، مع هذا اختلف المسلمون بعد هذا، اختلف هؤلاء القادة: بأنّ التكبيرات في صلاة الميّت كم عددها؟
هذا كلُّه يعطي المعنى الاتّكالي. إنّ هؤلاء كانوا في أيّام النبي (صلّى الله عليه وآله) متّكلين على النبي (صلّى الله عليه وآله)، هو القائد، هو الرائد، هو الموجِّه. الواحدُ كان يأتي، يأتمّ بالنبي (صلّى الله عليه وآله)، لم يخطر بباله في مرّةٍ من المرّات أن يحسب هذه التكبيرات: [هذه ] الاُولى، هذه الثانية، هذه... حتّى يعرف أنّها [أربع ] أو [خمس ].
هذا معنى الاتّكاليّة، هذه الاتّكالية عاشها هؤلاء الصحابة في عصر النبي (صلّى الله عليه وآله)، ولم يكن المسلمون متهيّئين بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) تهيُّؤاً فكريّاً وعقائديّاً لتحمّل أعباء الرسالة.
3 الفرق بين ظروف التجربة في أيّام النبي (صلّى الله عليه وآله) وبعدها:
ثالثاً: إنّ التجربة التي عاشها النبي (صلّى الله عليه وآله) لو فُرض أنّها تعطي هذه الإمكانيّات الفعليّة، فمن المعلوم أنّ هناك فارقاً كبيراً بين ظروف التجربة في أيّام النبي (صلّى الله عليه وآله) والظروف التي كانت الاُمّة الإسلاميّة مقبلةً عليها حينئذٍ.
الاُمّة الإسلاميّة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) كانت مقبلةً على تحوّلٍ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ كبيرٍ وضخمٍ جدّاً؛ لأنّه كان من المفروض تحقيق فكرة المجتمع العالمي، هذه الفكرة التي دعا إليها النبي (صلّى الله عليه وآله) ولكنّه لم يحقّقها؛ لأنّ النبي إلى أن مات لم يمتدّ نفوذه إلى أكثر من نطاق الجزيرة العربيّة، بالرغم من أنّه دعا ملوك العالم، دعا كسرى وقيصر، دعا سلطان الحبشة(9)، دعا غيرهم إلى الإسلام لأجل توعيتهم بالإسلام، ولأجل تسجيل أنّ الإسلام مجتمعٌ عالمي، ويدعو إلى المجتمع العالمي الذي لا يفرَّق فيه بين شعبٍ وشعب، وبين قوميّةٍ وقوميّةٍ، بالرغم من هذا لم يتحقّق المجتمع العالمي أيّام النبي (صلّى الله عليه وآله)، تحقّق مجتمعٌ عربيٌّ يحمل الفكرة العالميّة، مجتمعٌ عربيٌّ يقوم على أساس الرسالة، على أساس الفكرة العالميّة، ليس على أساس الفكرة القوميّة أو القاعدة القوميّة للرسالة.
هذا المجتمع بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) كان من المفروض أن يبني عالميّته، أن يُنشِئ المجتمع العالمي، أن يضمَّ في مجتمعٍ واحدٍ العربَ والفرسَ والتركَ والهنودَ وجميعَ شعوب الأرض، أن يضمَّهم في مجتمعٍ واحد، وهذه المهمّة مهمّة صعبةٌ وعظيمةٌ جدّاً، وتختلف كلَّ الاختلاف عن الظروف الموضوعيّة للمرحلة الاُولى التي عاشها النبي (صلّى الله عليه وآله).
هذه المرحلة أو هذه المهمّة تحتاج إلى عقليّة رساليّة 100 %، وإلى نزاهة، وإلى تخلّص من كلّ شائب، ومن كلّ الانخفاضات الفكريّة والعاطفيّة التي يعيشها الإنسان القَبَلي أو الإنسان القومي.
عمر أو أبو بكر لن يستطيعا أن يجعلا من تجربة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) -التي كانت تمرّ في المرحلة البدائيّة للموضوع- أساساً ضامناً قطعيّاً لصحّة سيرهم في المرحلة الثانية، في مرحلة إنشاء المجتمع العالمي.
حتّى ذلك الوقت لم يعيشا المجتمع العالمي إلّا كفكرةٍ لم تولد إلى النور، لم يعيشا أنّ الناس كلَّهم اُسرة، كلَّهم سواسية كأسنان المشط، أنْ لا
فرق بين عربيٍّ وعجمي (10).
هذا كانوا يسمعونه كفكرةٍ من النبي (صلّى الله عليه وآله)، ولكن لم يكونوا يرونه مجسّداً في المجتمع، في علاقاتهم، بحيث إنّ إنساناً عجميّاً وإنساناً عربيّاً عاشا مجتمعاً واحداً بصورةٍ متكافئة، وإنّما هي مجرّد فكرةٍ لم يتيسّر لهؤلاء أن يحقّقوها، وأن يتولّوا تحقيقها في هذه المرحلة الدقيقة من التجربة الإسلاميّة.
ولذا -وبطبيعة الحال- سوف تحصل لهم بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) انخفاضاتٌ فكريّة وعاطفيّة تجعلهم دون مستوى تحقيق فكرة المجتمع العالمي، وقد تكون بذرةً صغيرةً جدّاً في عهدٍ ما، وقد تكون هذه البذرة تكبر بعد هذا وتصبح بلاءً كبيراً وشرّاً مستطيراً، [و]كلّكم تعلمون بأنّ في التاريخ أمثلةً كثيرةً على هذا:
العهدة على التاريخ في النقل: أنّ عمر بن الخطّاب أعفى نصارى العرب في العراق من الجزية. العرب الذين كانوا موجودين في العراق أعفاهم من الجزية وكلّفهم بالزكاة، لماذا؟ عاتبوه، قالوا له: إنّ الجزية فيها شأن الذلِّ، فلا ندفع الجزية؛ لأنّنا عرب، قال لهم: إذاً فادفعوا الزكاة، وأمر بأخذ المال منهم بعنوان الزكاة(11).
طبعاً لم تكن الزكاة أصغر من الجزية؛ لأنّ المشرك يدفع الجزية والمسلم يدفع الزكاة، غاية الأمر: كانت الجزية -بحسب نفسها- علاقةً فيها مهانة(12)، عمر بدّل الجزية بالزكاة.
هذه البذرة -الصغيرة جدّاً والطفيفة- لم تطبّق إلّا على عشيرةٍ واحدةٍ لا أكثر من عشائر النصارى في العراق، هذه البذرة على مرّ الزمن تأتي بالشرّ المستطير.
لعلّ هذه البذرة هي الأساس في كلّ الشرور التي عاشها المسلمون بعد هذا، والتي مُني بها المسلمون نتيجةً للكيانات القوميّة التي زعزعت بعد ذلك الإسلام، وحطّمت الرسالة الإسلاميّة، الكيانات القوميّة: العربيّة، الفارسيّة، التركيّة، الهنديّة... إلى غير ذلك من الكيانات القوميّة الكافرة التي اُنشئت في العالم الإسلامي. لعلّ هذه العمليّة البسيطة كانت هي نقطة الانطلاق لهذا الخطّ الطويل.
أنا لا اُريد أن أقول: إنّ هذا الخبر صحيح، بل اُريد أن أقول بأنّ مهمّة إنشاء مجتمعٍ عالمي، هذه المهمّة تحتاج إلى قيادةٍ تختلف عن طبيعة الصلات والفروق التي كانت موجودةً في هؤلاء الخلفاء.
المصادر :
1- نهج البلاغة: 50، الخطبة 3.
2- الكافي 371 :1، الحديث 5 و376، الحديث 1.
3- فتح العزيز 112 :7؛ المجموع (النووي) 8 :7، / المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام 392 :6]. .
4- الجامع المسند الصحيح المختصر (البخاري) 2681 :6، الحديث 6933]. /الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد 174 :1؛ بحار الأنوار 386 :21، الحديث 10/الموطّأ 347 :1، الحديث 67؛ كتاب الاُم 226 :7). .
5- النصّ والاجتهاد: 77، 125 و162، الموارد: 10، 15 و18.
6- الإمامة والسياسة 25 :1، 29؛ تاريخ الاُمم والملوك (الطبري) 220 :3، /البداية والنهاية 4:290
7- تاريخ الاُمم والملوك (الطبري) 152 :3؛ أسد الغابة في معرفة الصحابة 1:28]، وقيل: 27 [تاريخ الاُمم والملوك (الطبري) 526 :11].
8- المسند (ابن حنبل) 400 :4؛ الجامع الصحيح (مسلم) 179 :6. .
9- الطبقات الكبرى 199 :1؛ أنساب الأشراف 274 :10.(3) دلائل النبوّة 378 :4؛ عيون الأثر 324 :2./ الطبقات الكبرى 16 :1؛ أنساب الأشراف 438 :1.
10- البيان والتبيين 24 :2؛ الاختصاص: 341.
11- الجامع الصغير 126 :1؛ كتاب الأموال 37 :1؛ المحلّى 112 :6؛ المبسوط (السرخسي) 178 :2.
12- إشارة إلى قوله تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (التوبة: 29).

آخر المقالات

  أول يوم من رجب الأصب
  مرتبة الرضا
  زيارة الملائكة الحسين بن علي ع‏
  في كيفية نزول الوحي
  دعاء الطير الأبيض الرومي
  فضيلة الدعاء
  اختيار مواضع النزول
  محاسبةالنفس
  في نزول القرآن
  في أن الصلاة على النبي ص كانت أمانا لمن ذكرها

user comment

بازدید ترین مطالب سال

انتخاب کوفه به عنوان مقر حکومت امام علی (ع)

داستانى عجيب از برزخ مردگان‏

حکایت خدمت به پدر و مادر

فلسفه نماز چیست و ما چرا نماز می خوانیم؟ (پاسخ ...

سِرِّ نديدن مرده خود در خواب‏

چگونه بفهميم كه خداوند ما را دوست دارد و از ...

رضايت و خشنودي خدا در چیست و چگونه خداوند از ...

سرانجام كسي كه نماز نخواند چه مي شود و مجازات ...

طلبه ای که به لوستر های حرم امیر المومنین ...

مرگ و عالم آخرت

پر بازدید ترین مطالب ماه

شاه کلید آیت الله نخودکی برای یک جوان!

فضیلت ماه مبارک رمضان

حاجت خود را جز نزد سه نفر نگو!!

ماه رمضان، ماه توبه‏

عظمت آية الكرسی (1)  

با این کلید، ثروتمند شوید!!

ذکری برای رهایی از سختی ها و بلاها

راه ترک خودارضایی ( استمنا ) چیست؟

آيا فكر گناه كردن هم گناه محسوب مي گردد، عواقب ...

اعلام برنامه سخنرانی استاد انصاریان در ماه ...

پر بازدید ترین مطالب روز

رفع گرفتاری با توسل به امام رضا (ع)

منظور از ولایت فقیه چیست ؟

نعمت‌ هایی که جایگزینی براي آن‌ ها نیست.

تنها گناه نابخشودنی

داستان شگفت انگيز سعد بن معاذ

چند روايت عجيب در مورد پدر و مادر

در ده بالادست، چينه‏ ها كوتاه است

استاد انصاریان در گفتگو با خبرگزاری مهر: جزای ...

چرا باید حجاب داشته باشیم؟

تقيه چيست و انجام آن در چه مواردي لازم است؟