عربي
Tuesday 20th of February 2018
code: 90870

الاختلاف في اطار الوحدة

الاختلاف في اطار الوحدة

إنّ من طبيعة الناس أن يختلفوا; ولكن الله يحبّ أن تبقى هذه الاختلافات المطلوبة داخل إطار التصور الإيماني الصحيح. ومن ثم لم يكن بدّ أن يكون هناك ميزان ثابت يفيء إليه المختلفون. وقد أنزل الله الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.
وبغير هذا الحق الواحد الذي لا يتعدد; لا يستقيم أمر هذه الحياة. وهذا الذي يقرره القرآن يقوم على قاعدة التوحيد المطلق. ثم يقع الانحراف، وتتراكم الخرافات والأساطير، حتى يبعد الناس نهائياً عن ذلك الأصل الكبير.
ومن هنا يتبيّن أنّ الناس ليسوا هم الحَكَم في الحق والباطل ما داموا عرضة للهوى والبغي والضلال.
ولقد جاء الكتاب.. ومع ذلك كان الهوى يغلب الناس من هنا وهناك; وكانت المطامع والرغائب والمخاوف والضلالات تبعد الناس عن قبول حكم الكتاب، والرجوع الى الحق الذي يردّهم إليه.
فالبغي ـ حسب النصّ القرآني(1) ـ هو الذي قاد الناس الى المضيّ في الاختلاف وفي اللجاج والعناد.
والجهل عامل آخر للاختلاف والفرقة، غير أنّ الجاهل ينبغي أن يسأل العلماء ماجهل، كما قال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)(2).
ومن هنا كان تجاوز الجاهل لهذا الأصل الذي يرتضيه العقل ويستسيغه العقلاء بغياً وتعدّياً لأوضح القواعد والطرق التي من شأنها أن تسدّ طريق الفرقة والاختلاف.
والإسلام دين الله الخالد الذي تمثّلت حقائقه في نصوص كتاب الله وسنّة رسوله الذي لا ينطق عن الهوى وإنّما هي وحي يوحى.
وقد علم الله ورسوله أنّ اُمّته ستختلف من بعده، كما اختلفت في حياته.
من هنا جعل القرآن للاُمة نبراساً من بعد الرسول يحذو حذوه (صلى الله عليه وآله) ويقدّم للاُمة ما تقصر عن فهمه وتفسيره، وهو أهل البيت (عليهم السلام)، وهم المطهّرون من كل رجس ودنس والذين نزل القرآن على جدّهم المصطفى وتلقّوه منه فعقلوه عقل وعاية ورعاية، فآتاهم الله ما لم يؤت أحداً سواهم.. كما نصّ الرسول (صلى الله عليه وآله) على مرجعيتهم الشاملة في حديث الثقلين المشهور، فحرصوا على صيانة الشريعة الإسلامية والقرآن الكريم من الفهم الخاطئ والتفسير الباطل ودأبوا على تبيان مفاهيمه الرفيعة، فكانوا مرجعاً للاُمة وملاذاً للمسلمين، يدفعون الشبهات ويستقبلون الاسئلة والإثارات بحلم وأناة. ويشهد تراثهم المعطاء على حُسن تعاملهم مع أصحاب السؤال والحوار، ويدلّ على طول باعهم وعمق إجابتهم التي تشهد لهم بمرجعيتهم العلمية في هذا المضمار.
بعث الله نبيه محمداً (صلى الله عليه وآله) بالهدى ودين الحق، فأخرج به البشرية من الظلمات الى النور، وأنزل عليه كتاباً محفوظاً لا يتغير على مرّ الأزمان، فيه الهدى والنور والعصمة من الضلال، ودعا فيه الاُمة الى الاجتماع ونبذ الفرقة، فقال عزّ من قائل(واعتصموا بحبلِ اللهِ جميعاً ولا تَفرقوا)(3).
وأخبرهم بأن الفرقة والتنازع يؤديان الى الضعف والفشل وذهاب القوة والمنعة، وتسلط أعداء الدين عليهم، فقال: (ولا تنازعُوا فتفشَلوا وتذهبَ ريحكُم)(4).
لكن على الرغم من كل ذلك، فإن الخلاف قد ذرّ قرنه بين المسلمين، ولم تمض أيّام قليلة على فراق النبي (صلى الله عليه وآله) اُمته، حتى خرج المسلمون حاملين سيوفهم على عواتقهم، يضرب بعضهم وجوه بعض، ثم تطوّر الأمر أكثر فأكثر، فراحت تظهر فرق وطوائف تحمل أسماءً شتى، تتخذ من الجدل والسفسطة ديدناً، ويغلو بعضها فيحكم بايمانه وحده ويرمي جميع المسلمين ممن لا يؤمن بفكرته بالكفر، وتتطور الاُمور إلى الاسوأ فالأسوأ، فتتجرد السيوف مرة اُخرى لتحزّ أعناق المخالفين، وإذا كان المسلمون في بداية أمرهم قد اقتتلوا وهم يظنون أنهم جميعاً على دين الإسلام، فإن ما حدث بعد ذلك، ان الفرق الإسلامية بدأت تتناحر فيما بينها مستحلّة دماءها وأموالها واعراضها، وكأن المخالف لها خارج عن الملّة حلال الدم والمال.
ومن المؤسف حقاً ان يستمر هذا الى يومنا الحاضر، وبعد مرور أربعة عشر قرناً من الزمان، فتجد تبادل التهم بالكفر والضلال سائراً بين عدد من فرق المسلمين، والدعوات تنبعث من جهات تدّعي حمل لواء الإسلام الى زيادة بذور الفرقة والتخاصم بين المسلمين، وصمّ الاسماع عن كل الدعوات للمّ الشمل وتوحيد المسلمين، وفتح القنوات للحوار الحرّ العلمي الموضوعي من أجل التوصل الى الحقيقة، وتشخيص موطن الداء، ومعرفة أماكن الخلل منذ بداية الأمر، وإعادة النظر لتقييم التراث الديني من أجل التوصل الى الحقيقة حتى وإن كانت صعبة ومرّة، فإنها أفضل من دفن الرؤوس في الرمال، وبقاء المشكلة قائمة الى الأبد، وليس ثمة ما يخدم أعداء الإسلام أكثر من ذلك.
وهذا الكتاب ليس الاّ محاولة متواضعة لتشخيص مواطن الداء، وتعيين أنجح السبل لإيقافه، ليكون ذلك فاتحة لأصحاب النوايا الحسنة ممن يهمهم مصلحة الإسلام والمسلمين لإعادة النظر في كل ما سبق، من أجل بناء نظرية إسلامية متينة تستطيع الثبات بوجه الأعاصير العاتية التي تهب عليها من كل مكان.
ولست ادّعي أنني استوفيت كل ما يجب استيفاؤه في ذلك، ولا أُحطت علماً بكل ما ينبغي علمه، ولكن عذري للقارئ عن تقصيري أنني قد بذلت ما وسعني البحث، وليس بعد الجهد حيلة.
لم تكن هناك مشكلة في بداية الأمر، فيما يتعلق باتجاهي الفكري الديني، فلقد تعلمت الصلاة في سن مبكرة، وبدأت أُواظب على قراءة القرآن عند أحد جيراننا، والّذي كان إمام مسجد الحي، وكنت طيلة سنيّ شبابي الاُولى، أتردد على المسجد القريب من البيت للمواظبة على الصلوات طلباً لثواب الجماعة.
كان إمام المسجد هو مرجعنا الديني، وقد بدأت علاقتي معه تتوثّق مع مرور الأيام، فكنت آتي المسجد في وقت مبكر، حيث أجلس إليه، يشاركني في ذلك بعض الشبان المتدينين، وكانت الحلقة تضم كهولا من أبناء الحي أيضاً، فنجلس ونتداول بعض الاُمور الدينية، ونتبادل الآراء حول بعض المسائل الفقهية المبتلى بها، وكثيراً ما كان الشيخ إمام المسجد يخصص بعض الجلسات ليحدثنا عن أئمة المذاهب الأربعة وعلمهم وتقواهم-وبخاصة الشافعي- حتى صار هؤلاء الأئمة الأعلام مثلا أعلى نسعى للاقتداء بهم.
مضت بضع سنوات على تلك الحال لم تصادفني فيها مشكلة في العقيدة، كانت الاُمور تتلخص في المواظبة على العبادات، والإلتزام بحسن الخلق والاستقامة، وهذه الاُمور تكفي لأن تجعل المرء مرضياً عند الخالق والمخلوقين، وتضمن له سعادة الدارين، كما كان يؤكد لنا إمام مسجدنا.
بقي الأمر على تلك الحال، حتى في أحد الأيام، ذهبت فيه الى المسجد لأداء فريضة العصر، وكعادتي في التبكير بالذهاب لكي تتاح لي فرصة
مجالسة الإمام قبل أن يحين وقت الصلاة.
عندما دخلت حجرته، وجدته يحدّث رجلا كهلا يجلس بين يديه مستمعاً الى نصائح الشيخ الذي كان يحدّثه عما يجب فعله لأداء فريضة الحج، فجلست استمع للمحاورة، حتى أثار انتباهي ملاحظة أبداها الشيخ، وفيها يوصي الرجل بأن يتحول من المذهب الشافعي الى المذهب الحنفي قبل الانطلاق أثارت هذه الملاحظة دهشتي، إذ أنني لم أكن قد سمعت بمثلها من قبل، ولم أفهم السبب الموجب لتغيير المذهب، لذا فإنني انتظرت بفارغ الصبر انصراف الرجل لأُبادر الشيخ إمام المسجد بالسؤال عن سبب ضرورة تغيير هذا الرجل مذهبه.
أجاب الشيخ مبتسماً: حتى يجوز له ملامسة النساء أثناء الطواف، لأن ذلك وفق مذهبنا ينقض الوضوء كما تعلم.
أطرقت مفكراً، فقد كانت المرة الاولى التي اتنبه فيها الى هذه المسألة. نعم، كنت أعرف أن اتباع المذاهب الاُخرى - من غير الشافعية - لا يتوضؤون من الملامسة، ولكنني لم أكن قد أعرت الأمر شيئاً من الأهمية، ولكن في هذه المرة بدأت أُفكر في الأمر بشكل جاد.
سألت الشيخ: إذا لامس الرجل الحنفي المذهب إمرأة من غير المحارم، ثم صلى دون أن يعيد الوضوء، فهل صلاته صحيحة؟
قال: نعم.
قلت: لكن الشافعي المذهب تكون صلاته باطلة، وعليه إعادة الوضوء والصلاة؟
قال: نعم.
قلت بدهشة: كنت أعتقد أن صلاة الأحناف وغيرهم غير صحيحة تبعاً لذلكقال: ليس الأمر كذلك، الجميع صلاتهم صحيحة إذا اجتمعت شروطها الاُخرى.
فكرت في الأمر ملياً، ثم سألت الشيخ قائلاً:
أي المذاهب الأربعة صحيح وجدير بالاتّباع أكثر من غيره؟
قال: كلها صحيحة وجديرة بالاتّباعقلت متسائلا: كيف حكم الشافعي ببطلان الوضوء من الملامسة وخالفه الآخرون في ذلك؟
قال: تبعاً للاجتهادات، فالشافعي(رضي الله عنه) اجتهد في تأويل آية الملامسة بأنها تعني تلامس البشرة، وتأول غيره بأنها تعني الجماع، كل حسب اجتهاده.
قلت: فالإمام الشافعي قد انفرد بهذا التأويل، ألا يمكن أن يكون مخطئاً؟
قال الشيخ بغضب: كيف تجرؤ على تخطئة الإمام الشافعي، وماذا نكون نحن بالنسبة الى هذا الإمام المجتهد رضوان الله تعالى عليه، حتى نخطّئه!!
اُخذتُ بسورة الغضب، فأطرقت ساكتاً.
قال الشيخ متكلفاً الهدوء: يا بني، لا تردد مقالات أعداء الإسلام الذين يريدون التشكيك في معتقداتنا وفي أئمتنا رضوان الله عليهم.
قلت: إنني لم أُردد مقالة أحد.. لكنه كان سؤالا خطر ببالي.
قال الشيخ ملاطفاً: أعلم أن نيتك سليمة فلا تؤاخذني.. سل عما شئت.
قلت: أخشى أن يغضبك سؤالي.
قال: كلا، لن أغضب فسل عما شئت.
قلت: ما هو سبب الاختلاف بين المذاهب؟
قال: تبعاً لاجتهادات الأئمة، لقد بذل كل منهم جهده في استنباط الأحكام من الأدلة المتوفرة لديه، وكان لكل منهم رأيه الخاص في تلك الأدلة، ولكنهم جميعاً مجتهدون، وهم مأجورون حتى لو أخطأوا كما أخبر النبي (صلى الله عليه وآله) بذلك.
قلت: إذا كانت جميع المذاهب صحيحة، فهل يجوز الانتقاء، كتقليد أحد الأئمة في بعض المسائل، وتقليد غيره في مسائل اُخرى؟
قال بحزم: كلا، لا يجوز ذلك، إن ذلك تحايل على الشريعة.
قلت: لكننا نقلد الإمام أبا حنيفة أثناء الحجقال: مؤقتاً، لضرورة تستدعي ذلك، وتنتفي بانتفائها.
قلت: لماذا لم يجتمع المسلمون على مذهب موحّد يجمع شملهم وينهي الاختلاف؟
قال: إن الاختلاف ضروري لتيسير الشريعة على المكلفين، وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله): "اختلاف اُمتي رحمة".
حان وقت الصلاة فافترقنا، وبعد الانصراف ناداني الشيخ فرافقته الى حجرته حيث ناولني كتاباً وهو يقول: لا تنس أن الاختلاف رحمة.
قرأت على غلاف الكتاب: رحمة الاُمة في اختلاف الأئمة.
بدأت بقراءة الكتاب في البيت، ورغم ذلك فإنني لم اقتنع، كانت القضية بالنسبة لي تتطلب جواباً على تساؤلات منها: إذا كان أحد الأئمة قد أخطأ في اجتهاده، وتبين للمكلف خطؤه، فلماذا لا يجوز مخالفته في تلك المسألة والأخذ برأي مجتهد آخر؟ وإذا كان الشافعي قد أخطأ في تأويل آية الملامسة، فما يدريني كم أخطأ هو وغيره في مسائل اُخرى؟
المصادر :
1- راجع الآية 213 من سورة البقرة.
2- الانبياء: 7 و النحل: 43.
3- آل عمران: 3.

آخر المقالات

  نشأة نظام الاسلام السياسي
  الکمالات في القرآن
  ألفاظ وظواهر القرآن
  مفهوم البدعة وشروطها
  لطف الميل في المرأة
  أعلام الشيعة في مصر
  تاريخ التدوين في التفسير
  اسلوب ثبوت الإمامة
  الدعاية اليزيدية
  الشيعة في العهد الأموي

user comment