عربي
Friday 20th of October 2017
code: 89429
التقاليد والتعاليم الرشيدة
لم تکن التقاليد والعادات علاقة فرديّة خالصة بين الإنسان وربّه فحسب ، بل هي قاعدة من قواعد الدولة الأساسيّة ، ورصيد تشريعي رائع للثورة في مشاريعها الإصلاحيّة ، وفي حلّ المشاكل الاقتصاديّة التي لم تحلّ على وجه أفضل وأكمل من حلّها في الإسلام .
إنّ الإسلام حين يكون دين دولة يعني أ نّه دين اجتماعي وقول إلهي فاصل في حقّ الفرد والاُمّة على السواء .
وإنّه حين يكون قاعدة من قواعد الدستور للجمهوريّة التي نذرت نفسها لإصلاح الاُمّة والقضاء على ما منيت به من ظلم اجتماعي يعني أنّ في تشريع الإسلام وأحكامه ما يتكفّل بحلّ جميع مشاكل الحياة ، ويضمن أساليب الإصلاح ومناهجه .
فأين يعيش الاستعمار في بلد إذا دان بالإسلام حقّاً ، والإسلام يأمر بالجهاد حتّى الموت في سبيل الذود عن الكيان الإسلامي والبلد الحبيب ؟ ! «يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمْ الأدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلّامُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أوْ مُتَحَيِّزاً إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ »(1).
وأين يعيش الفقر في بلد يخضع في تنظيمه الاقتصادي للإسلام الذي يكلّف الدولة بإبادة الفقر والحاجة بما يفرضه على الأغنياء من فرائض ، وما يرسم لأسباب الثروة من حدود ، وما يجعله حقّاً عامّاً في مختلف الثروات الاُخرى في البلد الإسلامي ، وما يحرّم من اكتناز الأموال بلا تصفية إسلاميّة صحيحة ؟ !
« وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ ألِيمٍ »(2).
وأين يعيش الفساد الخلقي في حياة عامّة قائمة على أخلاق الإسلام وتعاليمه الرشيدة التي تربّي في الإنسان إنسانيّته الكاملة ، فيصبح عضواً اجتماعيّاً صالحاً ، يشعر بتضامنه الحقيقي مع جميع أفراد الاُمّة ؟ ! «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ »(3)
«وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا »(4).
وأين تعيش الطبقيّة واختلاف الدرجات في نظام الإسلام الذي يعلن أنّ الإنسانيّة كلّها من أصل واحد ، وأ نّه لا ميزة لبشر على آخر إلّابالتقوى والإخلاص ؟ ! «يَا أيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَاُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أتْقَاكُمْ »(5).
وقد يبدو من الغريب أن ندعو المسلمين إلى الإسلام مع أ نّه دينهم الحبيب إلى قلوبهم ، العزيز على نفوسهم ، الذي لا يحتاجون لاعتناقه إلى دعوة ونداء ! !
وقد يبدو من الغريب أيضاً أنّ هذا الدين الذي ارتفع بالاُمّة إلى أفضل المستويات الاجتماعيّة في شتّى مناحي الحياة السياسيّة والخلقيّة والثقافيّة والاقتصاديّة ، يعيش اليوم في قلوب المؤمنين وقد فقد قوّة التسامي بالكيان الاجتماعي إلى القمّة التي يهدف إليها الاسلام ! !
فما الذي أفقده هذه القوّة ؟ ! وما الذي جعل الإسلام يدعو المسلمين إليه وهم مؤمنون به ؟ !
إنّ الذي أفقده القوّة البنّاءة هو أنّ الإسلام لم يعد في ذهنيّة الكثيرين كما بدأ .
إنّ الإسلام الذي بدأ وحمل رسالته النبيُّ الأعظم صلى الله عليه و آله هو العقيدة التي تصوغ الحياة الإنسانيّة كلّها ، وتقدّم لحلّ مشاكلها الخطوطَ العريضة التي تنسجم مع كلّ عصر وزمان .
إنّ الإسلام هو الفكرة التي تبلور القلب والعقل والمجتمع بروحها الخيّرة وجوهرها النقي ، والقاعدة الفكريّة التي وضعها اللَّه تعالى ليشاد عليها البناء الإنساني كلّه .
إنّ الإسلام الذي نادى به محمّد العظيم صلى الله عليه و آله دين الحياة في ميادين الفكر ، والروح ، والعمل :
ففي ميدان الفكر يدعو إلى المنهج العقلي في التفكير ، ويرفض التفكير التقليدي والعاطفي الخالص الذي يسود المجتمعات المتأخّرة ، كما لا يعتبر التفكير القائم على أساس التجربة والحسّ إلّافرعاً من فروع المعرفة العقليّة العامّة التي تمتدّ إلى ما وراء الحسّ ، إلى ميادين العقل الخالص : «وَإذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا ألْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ »(6).
وفي ميدان الروح لا يعتبر الإنسانيّة وقفاً على اللذائذ الماديّة والشهوات الرخيصة كما هي في عرف المادّيّة الكافرة ، ولا يهمل جانبها المادّي كما فعلت الأديان الروحيّة الخالصة ، بل يضع للإنسانيّة قوانينها المهذّبة والمربّية على أساس أ نّها مزاج من المادة والمعنى : «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا »(7).
وفي ميدان العمل يقيم الإسلام الحياة على مناهجه واُسسه من الحقّ والعدل والخير والمساواة : «وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ »(8)، «وَإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى »(9).
هذا هو المفهوم الصحيح للإسلام الذي شعّ على الدنيا ، فأقامها وأقعدها ، وبنى اُمّة ، فركّزها وأعزّها ، وأنشأ مجتمعاً ، فذابت في أضوائه جميع المشاكل التي تشكو منها المجتمعات الإنسانيّة .
وهذا هو مفهوم الإسلام الذي فهمه المسلمون الأوّلون عن النبي صلى الله عليه و آله فهماً صحيحاً ، فاتّخذوه ديناً ومبدأً وعقيدةً ودستوراً وأخرجوه من نطاق العقيدة الخالصة إلى حقيقة حيّة في كيان الاُمّة كلّها ، متمثّلة في الحياة الإسلاميّة بشتّى جوانبها وخصائصها .
بل هذا هو الذي فهمه عن الإسلام أعداؤه أيضاً ، فقد قال ( غلادستون ) الوزير البريطاني المعروف وأحد موطّدي أركان الاستعمار البريطاني في الشرق : « ما دام هذا القرآن موجوداً فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق ولا أن تكون هي نفسها في أمان » .
إنّ القرآن لا يحمي العالم الإسلامي من النفوذ الكافر ولا يهدّد البلاد الاستعماريّة بالذات لو لم يكن كتاب دين يعمر القلوب ، ومبدأ بناءٍ لحياة الاُمم .
أ يّها الشعب المسلم ... إنّ الحجب التي كان يضعها الاستعمار وأذنابه بين المسلمين وبين نور الإسلام ومفهومه المشرق قد تمزّقت إلى غير رجعة بزوال ذلك العهد البغيض .
فالتفت قليلاً إلى دينك الحبيب ، فإنّك ستجد فيه مبدأً فوق المبادئ .. وسوف ترى أ نّه الطبيب الاجتماعي الكبير الذي يحلّ مشاكل المجتمع :
فسوء التوزيع للثروات والطبقيّة واضطهاد الضعيف والاستغلال الفظيع للعمّال والاستهتار بجهودهم ، والترف الفاجر على حساب الاُمّة وحقوقها ، كلّ ذلك مفاهيم لا واقع لها في ظلّ الإسلام ، كما سنوضح ذلك في منشوراتنا وكتبنا إن شاء اللَّه .
فليفهم كلّ مسلم أنّ دينه - وحده - المبدأ الذي يجب أن يعتنقه في الحياة ، ويدعو إلى تطبيقه ، وأنّ دينه - وحده - الذي يكفل له تحقيق أمانيه وأحلامه ، ويغنيه عن استجداء المبادئ من الأجانب وجلبها من الخارج .
إنّ مبدأكم هنا ... هنا ... في صميمكم وواقعكم ، في قلوبكم ونفوسكم ، في دينكم وضميركم . وإنّ الرسول العظيم صلى الله عليه و آله حبيب القلوب ، ونبيُّ الإنسانيّة الخالد يطالب كلّ مسلم بأن يحمل رسالته وينادي أنّ الاسلام هو دينه ومبدؤه الذي ـ
يجب تطبيقه : «وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ».
إقامة الحضارة الإسلاميّة ، تلك الحضارة التي سعدت بها الإنسانيّة ردحاً من الزمن ، وأقامت على أساسها حياة عامرة بالعدل والحق ، مستثمرةً لكلّ ما في صميم الواقع الإنساني من دوافع الخير وعناصره ، فإنّ هذه هي رسالتكم في الحياة ، وهي قيادتكم الفكريّة في العالم وتحفتكم الغالية للإنسانيّة والأجيال المقبلة جمعاء .
فاملأوا الأجواء بصوت الإسلام ، وخذوا بيده إلى ميادين الحياة ليكافح من أجل اُمّة استبدلت حضارته بحضارة الغرب ، فانتهكت حقوقها ، وضاعت كرامتها وعصفت العواصف بكيانها ومقدّراتها ، ومنيت بويلات الكافر المستعمر وجرائمه .
خذوا بيد الإسلام إلى تلك الميادين ليحرّر الناس من العبوديّات الاجتماعيّة ويقول : « لا تكن عبد غيرك وقد جعلك اللَّه حرّاً »(10) ، وليعلن قانون المساواة والإخاء بين جميع المواطنين ويقول في الناس : « فإنّهم صنفان : إمّا أخ لك في الدين ، وإمّا نظير لك في الخلق »(11)
وليطلقها صرخة في وجه الظلم والعدوان ويقول : « لأنصفنّ المظلوم من ظالمه ، ولأقودنّ الظالم بخزامته حتّى اُورده منهل الحقّ وإن كان له كارهاً »(12) .
وإنّا حين نتكلّم عن الحضارة الإسلاميّة وإقامتها مقام الحضارة الغربيّة وأيّة حضارة اُخرى لم ينزل بها القرآن مهما كان شكلها ومهما كان مصدرها ، لا نريد من الاُمّة أن تستغني عن المدنيّة الحديثة وعلومها كما يدّعي بعض الناس ويزعم أنّ إعادة الحضارة الإسلاميّة معناها إعادة تلك الحياة البدائيّة التي كان يحياها المسلمون في مدينة الرسول صلى الله عليه و آله ، ورفض سائر ما جاءت به المدنيّات الحديثة من وسائل الحياة ومرفّهاتها .
وهذا الزعم افتراءٌ على الإسلام ، فالحضارةُ غيرُ المدنيّة ، ذلك أنّ الحضارة هي مفاهيم الاُمّة عن الحياة ، والمدنيّة هي أساليب الحياة التي تتطوّر بتطوّر العلوم والاكتشافات ، والحضارة الإسلاميّة تقوم على أساس ربط الحياة الإنسانيّة بمبدعٍ حكيمٍ خلق تلك الحياة ، ووضع لها نظامها الأفضل ، وتقرّر أنّ سعادة هذه الحياة إنّما تحصل بتطبيق النظام الإلهي عليها ، وأنّ الهدف الذي يجب أن يعيّن في الحياة هو رضا اللَّه تعالى الذي يتحقّق بإقامة مجتمع عادل على وفق نظامه . وعلى العكس من ذلك كلّه كلُّ حضارة غير حضارة الإسلام التي جاء بها القرآن ، فإنّ الحضارات الاُخرى تقيم الحياة على أساس فصلها عن الدين ، وتقصي الدين عن موضعه من القاعدة الاجتماعيّة للحياة ، وتعرّف السعادة بأ نّها المنفعة واللذّة وتجعل الهدف لكلّ إنسان الحصول على أكبر نصيب من هذه المنفعة واللذّة . ومن أجل ذلك كان من الطبيعي ما وقع في الحضارة الغربيّة وغيرها من إقصاء الأخلاق والقيم عن قيادة الحياة العامّة وما منيت به الإنسانيّة من تكالب الأقوياء على الضعفاء ، وتنافسهم في الاستعمار واستعباد الشعوب ، لأنّ المقياس هو المنفعة مهما كانت هذه المنفعة قاسية في حساب الضمير ومحرّمة في حكم اللَّه المقدّر الحكيم .
وأمّا مظاهر المدنيّة المتطوّرة بتطوّر الصناعات والعلوم ، وما يستجدُّ من مختبرات وآلات صناعيّة وطبيّة ، ووسائل للنقل وأساليب العمران وغير ذلك من شؤون الحياة في سائر المجالات والجهات ، فهي عالميّة تنسجم مع كلّ حضارة ومبدأ ، فالحضارة الإسلاميّة إنّما تتنافى مع الحضارات الاُخرى ولا تتنافى مع أشكال المدنيّة التي يهيّئها العلم ، على أن تحدّد بالتحديد الذي يتّفق مع مفاهيم الحضارة الإسلاميّة .
وإذن فالعلوم ونتائجها ممّا يستفيد منها كلّ مجتمع مهما كان مبدؤه ، ولا يعني تطبيق الإسلام التقليل من شأنها ، بل هو الدين الذي دعا إلى العلم والتأمّل في أسرار الطبيعة واكتناهها ، وإنّما يعني إقامة مجتمع إنساني خالص من الآلام وألوان الشقاء الروحيّة والماديّة ، ومنزّه عن الشره المحرّم والالتذاذ الرخيص على حساب الآخرين .
إنّ الإسلام - وحده - هو الذي يضمن إقامة هذا المجتمع ، لأنّه المبدأ الذي وضعه اللَّه للإنسانيّة ، وإنّ دعوتنا إلى الإسلام - وحده - لا ترضى عنه بشي من المبادئ والحزبيّات بديلاً ، وإنّ الاُمّة الإسلاميّة - بما فيها العالم العربي - لا تثوب إلى حياة مستقرّة إلّاإذا انصهرت في الإسلام الذي هو جوهر الاُمّة المشرق وكيانها الروحي وتركت سائر المبادئ الاُخرى التي خلقت في أجوائها والتي جاءتها من الخارج ، وعند ذلك فقط يعود المسلمون حقّاً كما أراد اللَّه : «كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإيمَانَ وَأيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ اُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ألَا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُون »(13).
ولا يفهّمهم أ نّه نظام مستقلٌّ بنفسه قائمٌ بذاته ، حافلٌ بمحاسن الأنظمة الاقتصاديّة كلّها ، وسالمٌ عن مساوئها ونقاط الضعف فيها .
وإنّما لقي الإسلام هذا الإهمال الكامل تنفيذاً لما أشرنا إليه مراراً من الخطّ السياسي العريض للاستعمار تجاه الإسلام والمسلمين . فقد شاء الأسياد المزعومون أن يفهّموا المسلمين أ نّهم فقراء إلى أفكار أوروبا وأنظمتها وطرائقها في الاجتماع والحياة وأ نّهم لا يملكون تفكيراً اجتماعيّاً خاصّاً ولا نظاماً ذا طابع مستقلّ ، فألغوا من القاموس الفكري الذي حاولوا أن يضعوه لنا اسم الإسلام وأنظمته ليقولوا لنا في غطرسة وتعالٍ : نحن الأقوياء المفكّرون ، وأنتم الضعفاء المقلّدون ، فسيروا في ركبنا لنشقّ لكم الطريق ، ونعبّد لكم السبيل ، ونذلّل أمامكم الصعاب .
شاءوا أن يجوّعونا فكريّاً وماديّاً ، فحرمونا من الغذاء الفكري والمادي الذي يقدّمه الإسلام للمسلمين . وإلّا فأين الجوع الفكري إلى مبادئ الغرب وأنظمة الأجانب إذا اهتدى المسلمون إلى الكنز ، ووضعوا أيديهم على مفتاح السرّ للثروة الفكريّة الهابطة من السماء ؟ وأين الجوع المادّي ونظام الإسلام يوازن بين أفراد الاُمّة ويضع لها وحدة تشريعيّة لاقتصاده ، إذا طبّقت بمجموعها فهي كفيلة بالقضاء على سوء التوزيع ، وعلى اختلال التوازن ، وعلى الحاجة والفقر ، وعلى التضخّم المالي الفظيع ، وعلى كلّ حرّيّة فرديّة تضرّ بالاُمّة وعصبها الاجتماعي ، ولا يتّسع هذا البيان لتفصيل تلك الوحدة التشريعيّة للاقتصاد الإسلامي بكلّ خطوطها .
وإنّما نريد التنبيه على أنّ ضمان الإسلام لحياة المعوزين من أفراد الاُمّة ليس مرتكزاً على أساس إحسان الأغنياء وأريحيّتهم ومدى تأثير النصائح والمواعظ فيهم كما يتوهّم بعض الناس ، بل هو يرتكز على حقوق ثابتة في صميم النظام الإسلامي ، فإنّ الإسلام يجعل من الدولة وسيلة لتهيئة فرص العمل ومجال الحياة المنتجة لكلّ فرد من الاُمّة ، فإذا لم يكن في طاقة الشخص ممارسة نشاط عملي يهيّئ له الحياة الحرّة الكاملة ولم يكن له معيل ، فالإسلام يموّنه بحياة معيشيّة كاملة أو يكمّل النقص في مستواه المعيشي من الفرائض الماليّة التي يجعلها في أموال الاُمّة ، ويحاسبها على أدائها ، ولا يعتبرها تفضّلاً ولا امتناناً منهم على الفقراء ، وإنّما هي فرائض لازمة ، لا كرامة ولا شأن لهم حين يطبّق الإسلام إذا لم يؤدّوها .
بل يذهب الإسلام أكثر من هذا ، فيرى أنّ مسألة الفقر والغنى تتّصل بمسألة الإسلام والكفر بالذات ، وأنّ الفقر كما يشكّل خطراً على الوجود الاجتماعي للاُمّة ، كذلك يهدّد بالخطر كيانها الروحي وقيمها الدينيّة ، فقد قال أحد رجال الإسلام من الصحابة : « إذا ذهب الفقر إلى بلد قال له الكفر خذني معك » .
فانظر كيف ينظر الإسلام إلى الفقر ، وكيف يراه شبح السقوط ونذير التدهور في كلّ المجالات . ومن الطبيعي حينئذٍ أن يعمل على إبادته من المجتمع .
وقد جاء الإسلام بذلك التصميم الاقتصادي الجبّار في عصر لم تبلغ فيه المفاهيم الاجتماعيّة للاقتصاد شيئاً من الرشد والنضج ، فكان هو السبّاق بتلك الضمانات الاجتماعيّة على مبدأ الضمان الاجتماعي الذي أخذت الإنسانيّة تحلم به بعد ذلك بمئات السنين .
فما أروع الإسلام حين يقدّم لنا هذه الضمانات مقرّراً على أساس إيمانه العميق بها « ما جاع فقير إلّابما متّع به غني »(14)
و « ما رأيت نعمة موفورة إلّاوإلى جانبها حقٌّ مضيّع » ، فالفقر لا يوجد في جانب من الاُمّة إلّاويقابله حقٌّ مغتصبٌ ومتعةٌ رخيصةٌ في الجانب الآخر .
ولذا وضع الإسلام تصميم مجتمعٍ غنيٍّ سعيدٍ سالمٍ عن الإفراط والتفريط وعن الحاجة والإسراف تعمره العدالة والمساواة المعنويّة والتوازن المعيشي الصحيح .
عندما تؤمن بفشل تجاربها التي قامت بها في شوطها الطويل والطويل جدّاً الذي قطعته في سبيل تحقيق دين الحياة ، وسوف تستمرّ فيه حتّى ترسو على شاطئ الإسلام ، دين الطبيعة الإنسانيّة والحياة ، فلتكونوا أنتم - أ يّها المسلمون - أوّل من يرسو على هذا الشاطئ ، ويقيم مجتمعاً إسلاميّاً يشعّ على العالم كلّه بمفاهيم العدالة والحقّ ، ويحقّق المعجزة التي عجزت عنها الإنسانيّة ، فيحقّق للفرد كرامته ، وللمجتمع حقوقه ولا يخنق في ذاك حريّته وطبيعته ، ولا في هذا حياته وسعادته ، فإنّ كلّ نظام لا يقوم على أساس التوحيد الخالص وشُعب هذا التوحيد التي تشمل نواحي الحياة كلّها لا يمكن أن يحقّق ذلك كما يتّضح ذلك في كتاب سيصدر في النجف الأشرف باسم ( فلسفتنا ) إن شاء اللَّه .
إنّ السفينة قد وجدت طريقها المهيع بعد أن أزال البطل اللواء عبد الكريم قاسم العقبات الاستعماريّة التي كانت تعترضها ، فعلى الدعاة إلى الإسلام أن يعدّوا العابرين روحيّاً وفكريّاً لسكنى ذلك الشاطئ .
فالواقع أنّ عهد الاُمّة الإسلاميّة بذلك الشاطئ السعيد قد بعد وطال جدّاً ، وضعفت فيها الجذوة الروحيّة التي هي مزاج ذلك الشاطئ ، وكادت أن تبتعد الاُمّة عن مفاهيمه التي ترتكز عليها السعادة الاجتماعيّة في شاطئ الإسلام ، منذ أن غزا الاستعمار بلاد المسلمين ، وحمل إليهم أنظمته الماديّة التي لا موضع فيها لقيم الروح والأخلاق .
فيجب في هذه الساعة الحاسمة التي ولّى فيها عدو الإسلام الأوّل - وهو الاستعمار - أن نملأ أرواحنا وعقولنا بالإسلام ، لنهيّئ أنفسنا للأجواء الفكريّة والاجتماعيّة التي تعمر ذلك الشاطئ المقدّس ، وأن نستزيد من معلوماتنا عن رسالة الإسلام وخصائصها ومزاياها ، لتقوى الاُمّة الإسلاميّة على حملها كقيادة فكريّة للعالم .
إنّ الإسلام رسالة فكريّة ودعوة إنسانيّة عامّة لا تعرف حدوداً إلّاحدود الفكرة التي تبشّر بها ، فالميزان هو الفكرة والأساس هو العقيدة .
وإذا راجعنا تاريخ الإسلام نتبيّن ذلك بوضوح من الدولة الإسلاميّة التي انبثقت عن هذا المبعث النبوي المقدّس ، فإنّها دولة فكريّة قائمة على أساس مفهومها عن الحياة الذي يتلخّص في انبثاق الحياة عن خالق حكيم وفي ضمان سعادتها بتنفيذ نظامه ونيل رضاه . وكلّ من آمن بهذا المفهوم - وإن كان جديد الإيمان - كان يعتبره الإسلام فرداً في الدولة وقد يسلّم له زمام قيادة وعهدة حكم ، إذا كانت الفكرة عميقة في قلبه وعقله مع الغضّ عن سائر الاعتبارات الاُخرى .
وليس معنى ذلك أنّ غير المسلم كان مهاناً في الدولة الإسلاميّة وكانت كرامته وحقوقه عرضةً للخطر ، بل كان لغير المسلم القائم بواجبات المواطنة الإسلاميّة حقوقه وحرمته وكرامته وشأنه وحريّته في ممارسة أعماله الدينيّة والعقيديّة .
وقد بلغ حرص الإسلام على توفير الكرامة لغير المسلم من المواطنين وتطبيق العدالة التي لم تشهد الإنسانيّة لها نظيراً ، أنّ خليفة المسلمين وجد يوماً درعه عند مسيحيّ من عامّة الناس ، فأقبل به إلى أحد القضاة واسمه ( شريح ) ليخاصمه ويقاضيه ، ولمّا كان الرجلان أمام القاضي ، قال الخليفة : إنّها درعي ولم أبع ولم أهب . فسأل القاضي الرجل المسيحي : ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين ؟ فقال المسيحي : ما الدرع إلّادرعي وما أمير المؤمينن عندي بكاذب ، وهنا التفت القاضي إلى الخليفة يسأله هل من بيّنة تشهد أنّ هذه الدرع لك ؟ فضحك الخليفة وقال : أصاب شريح ، ما لي بيّنة ، فقضى شريح بالدرع للرجل المسيحي فأخذها ومشى ، إلّاأ نّه لم يخط خطوات قلائل حتّى عاد يقول : أمّا أنا فأشهد أنّ هذه أحكام أنبياء ، أمير المؤمنين يدينني إلى قاضٍ يقضي عليه ! ! ثمّ قال : الدرع واللَّه درعك يا أمير المؤمنين وقد كنت كاذباً فيما ادّعيت . وبعد زمن شهد الناس هذا الرجل المسيحي جنديّاً مسلماً وبطلاً مجاهداً في المعارك الإسلاميّة(15) .
إنّ دولةً هذه مفاهيمها تحتاج إلى ترويض روحي عظيم وبعث ديني شامل . فإلى هذه المفاهيم أ يّها المسلمون لنصل إلى الشاطئ بسلام .
«إنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إلَهٍ إلّااللَّهُ وَإنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »(16)
«فَأقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَاتَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لَايَعْلَمُونَ »(17).
ننفذ بمفاهيم الإسلام إلى أعماق قلوب العموم من المسلمين ، ونقتلع من صميمها جميع المفاهيم الخاطئة من مخلّفات العهد الاستعماري الذي قوّضته ثورة العراق الجبّارة بقيادة الزعيم الكريم الموفّق ، فإنّ ذلك العهد الفظيع كان يغذّي فكريّة الاُمّة بما يحلو له من سموم ، وبما يتّصل بمصالحه وكيانه من مفاهيم ، فضرورة الإسلام اليوم تدعو إلى بعث الفكر الإسلامي بعثاً جديداً يطهّره من تلك السموم المدسوسة ، وينقّيه من تلك المفاهيم الاستعماريّة الدخيلة .
ومن أخطر تلك المفاهيم على كيان المسلمين ما نشأ في ظلّ العهد الاستعماري من مفهومٍ خاصٍّ للسياسة في ذهن عامّة الناس من الاُمّة ، وشجّع الاستعمار على تركيزه وتقويته ، فإنّ السياسة الاستعماريّة لمّا كانت حاشدة بالمكر والخديعة وزاخرة بالختل والأكاذيب اتّخذت لها إطاراً مشوّهاً ، فصار كثيرٌ من المسلمين لا يفهمون من السياسة إلّاالالتواء واغتصاب الحقوق وانتهاك حرمات الاُمّة وكرامتها .
ولمّا تركّز هذا المفهوم في أذهانهم انبثقت عنه فكرة التباين بين السياسة والإسلام ، وصاروا ينظرون إلى السياسة كأ نّها أبعد الأشياء عن واقع الإسلام وجوهره ، لأنّ الإسلام دينٌ طاهر من تلك الأدناس التي شاعت في الجوّ السياسي الموبوء على يد الاستعمار ، ومن الطبيعي أن يكون مفهوم السياسة من أبعد المفاهيم عن الإسلام إذا كان معنى السياسة هو التلاعب والاحتيال .
وقد ارتاح المستعمرون كلَّ الارتياح لهذه المباينة التي قامت في فكر العامّة من الاُمّة بين حقيقة الإسلام وواقع السياسة ، وحاولوا أن يزيدوا في هذه الشقّة بينهما في الأذهان لئلّا يحاول الإسلام بعد ذلك أن ينهض بالمسلمين على يد قادته المخلصين لمحاربة الاستعمار ، ومقاومة طغيانه السياسي والوقوف في وجهه ، فركّزوا تلك المباينة وطوّروها وغذّوها على شكل يحقّق لهم مصالحهم ، ويحول دون نهضة الإسلام وانتفاضته أو يقف عائقاً في الطريق على أقلّ تقدير .
ومفهوم المباينة هذا الذي تبنّاه الاستعمار ، وفصل به الإسلام عن السياسة في الأذهان ، هو الذي كان يعترض طريق علماء الإسلام ويعيقهم عن تسجيل نجاح حاسم في معارضاتهم الحادّة لأقطاب الاستعمار والطغيان ، بعد أن كانوا يخوضون الميدان قبل أن يخلق الاستعمار هذا المفهوم في الذهن العام ويقودون الثورات التحريريّة على كلّ غزو استعماري أو سياسة استعماريّة .
إنّ السياسة بمعناها الصحيح - لا بمعناها الذي شاهدنا من المستعمرين - هي رعاية شؤون الاُمّة وعلاقاتها الداخليّة والخارجيّة ، فهي التي تحقّق للاُمّة مصالحها وتحفظ لها كيانها الاجتماعي في شتّى شعب الحياة ونواحيها ، وهي التي تحدّد لها علاقاتها وصلاتها ، وترسم عمليّاً حياتها ومنهاجها في الحياة .
هذه هي السياسة بمعناها الاصطلاحي الصحيح ، فإذا تبيّنّاها في واقعها المصفّى وجوهرها البنّاء ووضح لنا كلّ الوضوح مدى الغلط والاشتباه في تلك العقيدة السائدة التي تجعل السياسة نقطة مقابلة للإسلام ، فإنّ السياسة إذا كانت في مفهومها الكامل تعني رعاية شؤون الاُمّة وحماية مصالحها فهي من صميم الإسلام ، وهل اهتمّ الإسلام بشي ء كما اهتمّ برعاية شؤون الاُمّة وتنظيم علاقاتها وإجراء الأنظمة الاقتصاديّة والاجتماعيّة العادلة عليها .
فالإسلام يباين السياسة ، ولكن لا تلك السياسة الصحيحة النزيهة التي يعبّر عنها المفهوم الاصطلاحي للّفظ ، بل إنّما يباين سياسة الاستهتار بالكرامات الإنسانيّة واستلاب حقوقها والتآمر على سلامتها .
والإسلام يتبنّى القضيّة السياسيّة ، ولكن لا بالمعنى الاستعماري للسياسة ، بل بالمعنى الذي كان يقوم به رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ، فقد كان النبي صلى الله عليه و آله الممثّل للإسلام في كلّ مظاهر حياته المقدّسة ونشاطه المبارك يتولّى باسم الإسلام رعاية شؤون الاُمّة وقيادتها الاجتماعيّة وسياسة اُمورها وتنظيم حياتها على ضوء شريعته الإلهيّة العادلة .
وليست القضيّة السياسيّة للإسلام تعني أشخاصاً ، وإنّما تعني مبدأً خاصّاً وهو مبدأ الإسلام الذي يفوق جميع المبادئ والاتّجاهات ، فعلى كلّ مسلم كامل أن يكون ذا وعي سياسي صحيح بمعناه الذي يريده الإسلام ، وأن يركّز هذا الوعي على القاعدة الإسلاميّة ، فهو بطبيعة إسلامه لا بدّ أن يجعل قضيّة الاُمّة وشؤونها هي قضيّته الاُولى في حياته التي لا بدّ أن يساهم فيها بكلّ ما يملك من حول وطول ، لقوله صلى الله عليه و آله : « كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيّته »(18) .
ولا بدّ أن ينظر إلى تلك القضيّة بالمنظار الإسلامي الخالص ، ومن زاوية الإسلام التي تشعّ بطبيعتها على العالم بالنور وتحاول أن تدفع به إلى شاطئ السلام الحقيقي .
فهذا هو الفهم السياسي الذي كان يحمله كلّ مسلم في الصدر الأوّل من الإسلام ، وهذه هي الرسالة التي كان يرفع لواءها العظيم كلّ مسلم في الصدر الأوّل من الإسلام أيضاً .
ويتلخّص ذلك الفهم في أنّ السياسة التي يريدها الإسلام هي سياسة رعاية وعناية بالاُمّة ومصالحها وشؤونها ، وأ نّه يريد هذا الوعي السياسي من كلّ مسلم ، لأ نّه قال صلى الله عليه و آله « كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيّته » كما سبق . وتتلخّص الرسالة التي يركّز عليها ذلك الوعي في أنّ نظام الإسلام هو النظام المتكفّل بمصالح الاُمّة ورعاية شؤونها ما تعلّق منها بالدنيا وما تعلّق منها بالآخرة ، ولا أدلّ على ذلك من قول نبيّنا صلى الله عليه و آله حين وقف خطيباً بين عشيرته الأقربين فقال : « إنّي واللَّه ما أعرف شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به ، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة »(19) .
تعصف بالاُمّة الإسلاميّة ورسالتها ، وكان الواعون من المسلمين بقيادة الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام يواجهون تلك المحن والفتن بقلبٍ مطمئنٍّ وإرادةٍ صامدةٍ وروحٍ مستعدّةٍ للتضحية والفداء ، وكانت القيادة الواعية لأئمّتنا الأطهار وسائر الواعين من أبناء الاُمّة هي الضمان الوحيد لعدم الانحراف ، والقوّة الصامدة في وجه الضلال ، وقد كلّف ذلك أئمّتنا عليهم السلام حياتهم ، فخرّ هذا الإمام العظيم صريعاً في المحراب وهو يدافع عنكم وعن رسالتكم وكرامتكم ، وخرّ أولاده صرعى بين قتيلٍ ومسموم ، ولم يترك أهل البيت عليهم السلام - بالرغم من كلّ ما لاقوه من ألوان المحن والاضطهاد - خطّهم العظيم وعملهم المتواصل في خدمة الإسلام ودفع الظلم عن الاُمّة والحفاظ على مصالحها ومقاومة الحكّام الظالمين الذين يتآمرون عليها .
وجاء بعد ذلك دور العلماء ، فكانوا ورثة الأئمّة في قيادتهم ، وامتداداً لدورهم في الذبّ عن مصالح الاُمّة والدفاع عن كرامتها وحماية تراثها وعقائدها ، وقد كان العالم في مختلف العصور التي مرّت بها الاُمّة يعيش دائماً مع الناس وفي قلوب الناس ، يذبّ عنهم إذا اضطهدوا ويواسيهم إذا اُوذوا ويعيش محنتهم إذا امتحنوا ، ويرفض أيّ مساومة مهما كانت لكي يظلّ الممثّل الحقيقي لمصالح الاُمّة وعقيدتها .
وتاريخ النجف .. نجفكم أ يّها المؤمنون في كلّ مكان .. أ يّها المسلمون في أرجاء الأرض .. نجفكم الصامد المجاهد الثابت على خطّ أئمّتكم الطاهرين .. إنّ تاريخ النجف أكبر دليل على هذه الحقيقة الناصعة ، لأنّ النجف منذ عشرة قرون تقريباً وإلى يومنا هذا هو مركز العلماء وبلد الحوزة العلميّة التي تحمل رسالة الإسلام وفقه الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام .
وقد أثبتت هذه الحوزة العلميّة في مواقفها المختلفة التي وقفتها بقيادة علمائها الأعلام أ نّها هي اللسان المعبّر عن مصالحكم أ يّها المسلمون ، وأ نّها هي القوّة المستعدّة للتضحية في سبيل كرامتكم ، وأ نّها هي الجهة التي لا تقبل أيّ مساومة من المساومات على حسابكم ، فكلّ الناس يعرفون - حكومةً وشعباً - أنّ هذه الحوزة بمختلف قطّاعاتها العربيّة وغير العربيّة هي التي تزعّمت بقيادة علمائها الأعلام معركة الشعب العراقي الأبيّ ضدّ الغزاة الإنجليز حين دخل الاستعمار الكافر بلادنا بقوّة السلاح والنار ، فقد زحف العلماء بقواعدهم الشعبيّة إلى خطّ النار للذبِّ عن أعدائها الغزاة المستعمرين . وكلُّ الناس يعرفون أنّ المستعمر الكافر حين واجه الثورة المسلّحة التي خاضها الشعب العراقي برعاية العلماء ، حاول أن يدخل في مساومات مع العلماء لكي يعزلهم عن دورهم الحقيقي ، بينما انهارت كثيرٌ من الجهات الاُخرى أمام مساومات الاستعمار .
وقد كلّف الحوزة هذا الصمودُ ثمناً غالياً ، إذ بدأ الاستعمار منذ وطأت قدمه هذه الأرض الطيّبة يفكّر في القضاء على الحوزة العلميّة وتفتيت وجودها . وكلّ الناس يعرفون موقف العلماء يوم وضع الاستعمار آنذاك المخطّط الرهيب بتشريع القوانين الكافرة التي استهدفت إبعاد الاُمّة تدريجيّاً عن أصالتها الفكريّة ودينها القويم ، وإشاعة عوامل الفرقة والبغضاء في صفوفها ، وإخماد معاني العزّة والكرامة والرفعة في نفوس أبنائها .
ثمّ تعاقبت الحكومات واحدة بعد الاُخرى وهي تجري وفق هذا المخطّط بقصد أو بدون قصد في الأخذ بخناق الاُمّة وكبت حريّتها وإرادتها وإرهاقها بالقوانين الظالمة المرتجلة .
وكلّ الناس يعرفون من الذي كان يعبّر عن ظلاماتهم وبؤسهم ، ويطالب بحقوقهم ومصالحهم منذ بدأ الناس يضطهدون في عقائدهم وفي أنفسهم ، ويقاسون الظلم الاجتماعي والظلم الاقتصادي والظلم الطائفي والظلم العنصري .. في وجودهم وكيانهم .
إنّ الحوزة العلميّة بقيادة المرجعيّة العليا هي التي كانت تقول كلمة الحقّ في كلّ حين ، وسوف تقول هذه الكلمة كذلك إن شاء اللَّه .
إنّنا نريد أن يصبح واضحاً كلّ الوضوح للشعوب الإسلاميّة وللحكومات ، أنّ هذا المركز الديني المتمثّل بالحوزة العلميّة جزءٌ لا يتجزّأ من كيان الاُمّة ، لأنّه الجزء المعبّر عن عقيدتها ومصالحها والحامي لرسالتها وتراثها .
وعلى هذا الأساس يجب أن لا يتأثّر وضع الحوزة بأيّ خلافات ونزاعات مهما كان مضمونها ومهما كان الظرف فيها ، لأنّ الحوزة هي ممثّلة الإسلام قبل كلّ شي ء ، وليست ملكاً لهذا الإقليم أو لذاك ، لكي تزجّ في الخلاف .
والمرجعيّة العليا تشعر بمسؤوليّة الحفاظ على الإسلام والمسلمين ، والتدخّل لحلّ مشاكلهم أينما كانت هذه المشاكل ، لأنّها بحكم أبوّتها العامّة للمسلمين على اختلاف أقطارهم وشعوبهم ، تدرك بأنّ من واجبها أن تقف موقف الإصلاح لحقن الدماء في أيّ مشكلةٍ من مشاكل المسلمين ، ولكن بالنحو الذي يحفظ للدين كرامته وللحوزة العلميّة عزّتها وهيبتها وقدرتها على الإصلاح والتأثير .
وإنّنا نريد أن يصبح أيضاً واضحاً كلّ الوضوح للمسلمين - حكّاماً وشعوباً - أنّ العتبات المقدّسة في النجف الأشرف وكربلاء والكاظميّة وسامرّاء هي منارات الإسلام في عراقنا الكريم ، شأنها في ذلك شأن مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة والقدس الشريف .. تهفو إليها قلوب المسلمين ، ويقصدونها من كلّ حدب وصوب .. يؤدّون فيها شعائرهم الدينيّة ويتقرّبون بتعظيمها إلى اللَّه سبحانه ، وهي من أجل ذلك كانت منذ بعيد ولا تزال تضمّ المسلمين من مختلف أقطار العالم الإسلامي وشعوبه .. يجدون في ظلالها المقدّسة حاجاتهم من الغذاء الروحي ومثلهم الدينيّة الرفيعة ، كما أ نّها تجعل العراق في عداد البلاد المقدّسة في نظر المسلمين ، وتمنحه مكرمةً يفتخر بها على كثيرٍ من البلاد الإسلاميّة . ولا بدّ أن تبقى هذه العتبات محتفظة بطابعها الإسلامي دون أيِّ تخصيص ، ويجب أن يظلّ المسلم من أبناء الاُمّة الإسلاميّة قادراً على ممارسة الشعائر الدينيّة فيها ، ومواصلة العيش في كنفها مهما كانت قوميّته ما دام منسجماً مع قيمها ومثلها ، ومحتفظاً بكرامتها .
ويجب على المسلمين جميعاً - شعوباً وحكومات - أن يعملوا على تحقيق هذا الفرض ، ويقدّموا التسهيلات كافّة لاحترام هذه العتبات وتعظيمها وإعمارها .
ارفعوا أيديكم بهذه الفقرات من دعاء الافتتاح :
( اللهمّ إنّا نرغب إليك في دولةٍ كريمة ، تعزّ بها الإسلام وأهله ، وتذلّ بها النفاق وأهله ، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك ، والقادة إلى سبيلك ، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة ... اللهمّ إنّا نشكو إليك فقد نبيّنا صلواتك عليه وآله ، وغيبة وليّنا ، وكثرة عدوّنا ، وقلّة عددنا ، وشدّة الفتن بنا ، وتظاهر الزمان علينا . فصلِّ على محمّد وآل محمّد ، وأعنّا على ذلك بفتحٍ منك تعجّله ، ونصر تعزّه ، وسلطان حقٍّ تظهره ، ورحمةٍ منك تجلّلناها ، وعافية منك تلبسناها .. برحمتك يا أرحم الراحمين )(20) .
المصادر :
1- الأنفال : 15
2- التوبة : 34
3- المائدة : 2
4- آل عمران : 103
5- الحجرات : 13
6- البقرة : 170
7- القصص : 77
8- الكهف : 29
9- الأنعام : 152
10- نهج البلاغة : 401 ، الوصيّة 31
11- نهج البلاغة : 436 ، الرسالة 53
12- نهج البلاغة : 194 ، الخطبة 126
13- المجادلة : 32
14- نهج البلاغة : 533 ، الحكمة 328 ؛ مستدرك وسائل الشيعة 7 : 9
15- الغارات 1 : 47 ؛ البداية والنهاية 8 : 4 ؛ شذرات الذهب 1 : 320 ؛ المناقب 2 : 105 ؛ بحار الأنوار 41 : 56
16- آل عمران : 62
17- الروم : 30
18- بحار الأنوار 75 : 38
19- الأمالي للشيخ الطوسي : 583 ، المجلس 24
20- تهذيب الأحكام 3 : 111

 


source : راسخون
user comment
 

آخر المقالات

  موقف المختار من التحوّلات السياسية
  أدب القراءة والانصات للقرآن
  حديث الاقتداء عند العلماء
  ضرورة الرجعة
  مَن هو الإمام المهدی علیه السّلام ؟
  التشاؤم
  الدنيا والتقوی
  آیة الوضوء و کیفیة غسل الایدی
  مکانة الرسول الأکرم عند الله
  أسلوب الحدیث