عربي
Saturday 21st of October 2017
code: 89424
موقف الإمام علي عليه السلام من الخلفاء الثلاثة
لم يشترك الامام علي عليه السلام في مؤتمر السقيفة الذي حضره الأنصار وحضره من المهاجرين أبوبكر وعمر وأبو عبيدة، وهو في ذات الوقت لم يجب دعوة العباس حين قال له: " امدد يدك أبايعك فلا يختلف عليك اثنان "، وقد علل رفضه لهذا الطلب بالقول: " أترى هذا الأمر يكون لغيرنا؟! ".انّ هذا الموقف السلبي من الامام سواء في عدم اشتراكه مع المؤتمرين في السقيفة، أو في رفضه لطلب العباس، قد يفسّر بشيء من عدم الحيطة السياسية، ويساعد على القول انّ الترسّل واللامبالاة التي تمثَّل بها الإمام (عليه السلام) في موقفيه هي التي صرفت عنه الحكم، وفي المقابل كانت روح المبادرة، والحيطة السياسية في الجانب الآخر هي التي أحرزت لهم الحكم.
ولقد بدا موقف الامام علي (عليه السلام) بعد الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) كما لو كان فيه كثير من حسن الظن، كما فيه كثير من البرود والتباطؤ، والمعروف انّ العمل السياسي الناجح يفرض التحسب لأدنى الاحتمالات، كما يفرض الاقدام السريع واغتنام الفرص.
لقد كان الامام علي عليه السلام يستطيع أن يشترك في السقيفة وربّما يكسب إليه كل الأصوات أو معظمها، وكان يستطيع أن يشترك في مؤتمر غير ذاك المؤتمر، يأخذ فيه البيعة من عمّ الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) وسائر الهاشميين وجميع أنصاره والمخلصين له من المهاجرين والأنصار، وحينذاك يقطع الطريق أمام كلّ المحاولات الأخرى، ولا يختلف فيه اثنان كما أشار إليه العباس.
لكن علياً بدأ وكأن الأمر لا يُعنيه، فقد آثر أن يشتغل بتجهيز رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم)
قائلا لعمّه العباس:
" أترى هذا الأمر يكون لغيرنا ".
وقائلا للأنصار فيما بعد:
" أو كنت أترك رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم) ميتاً في بيته لم أجهزه وأخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه ".
غير انّ علياً ليعلم حق العلم انّ قريشاً لا تنام لها عين ان تركت الأمر يصير إليه، وانّها لتجد في ازاحة الحكم عنه كل الجد وأقصاه، ولقد أخبره الرسول بأن الأمة ستنحرف عنه، وتتمالأ عليه.
فأي معنى بعد ذاك لأن يقول: " أترى هذا الأمر يكون لغيرنا؟ " كما انّه ليعلم حقّ العلم ان قضية الحكم، وقيادة التجربة أمر تهون عنده سائر الأمور، إن لم يكن فيها سخط الله.ولئن كان انتصاره يدعوه لأن يترك جثمان رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم) ساعات فأي مانع يقف دون ذلك؟ أو ليست قضية الحكم هي قضية مصير الإسلام كلّه. ألم يكن جديراً أن يؤجل غسل رسول الله ساعات حتّى يفرغ من موضوع الخلافة، ويقطع على الآخرين طريقهم، ثم يرجع وقد صار أميراً؟!
وما يمنع علياً أن يقبل طلب العباس، وهو يتطلب منه حتّى ترك الجثمان الطاهر؟!
هذا قول قد يقال في موقف علي (عليه السلام).
وتلك ملاحظات قد تؤخذ عليه.
فما هو مدى الصحّة في هذا القول؟ ومدى العمق في تلك الملاحظات؟ هل كان الامام قادراً على الإشتراك في مؤتمر السقيفة؟
ولو أنّه اشترك فهل كان حليفه النجاح؟
الحقيقة انّه لا يوجد دليل تاريخي على انّ علياً سبق له العلم بمؤتمر السقيفة
ثم آثر اعتزاله عن عمد، بل انّ الدلائل تشهد على انّ مؤتمر السقيفة أحيط بقدر كبير من الكتمان.
فالأنصار هم الذين سبقوا إلى عقده، دون أن يبعثوا إلى أحد من المهاجرين، وحين انتهى خبره إلى عمر بن الخطاب لم يرغب أن يخبر عنه سوى أبي بكر، ولقد كان جالساً في بيت له خارج مكَّة فأرسل إليه عمر من يقول له:
" حَدَثَ أمرٌ لابد أن تحضره ".
وفي الطريق صادفا أبا عبيدة فاصطحباه على ما تقول الرواية.
فأنت ترى انّ أحداً من الهاشميين وغيرهم من أنصار علي لم يقف على خبر السقيفة، بل وكلّ المهاجرين سوى هؤلاء الثلاثة.
والرسول الذي بعثه عمر لم يفصح للجالسين حقيقة ما حدث، انّما قال له: " حدث أمرٌ ".
حتّى انّ أبابكر اعتذر أولا، ثم أجاب حين أرسل إليه عمر ثانياً من يؤكد له ضرورة الخروج.
ولقد كانت مفاجئة لعلي، وشيعة علي، بل وعامة المسلمين ممن لم يحضر السقيفة، حينما أعلن عن بيعة أبي بكر، وربما تصوّر لنا الحال رواية البراء بن عازب حيث قال:
" لم أزل لبني هاشم محباً فلما قبض رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم) تخوّفت أن يتمالا قريش على اخراج هذا الأمر عن بني هاشم، فأخذني ما يأخذ الواله العجول.. "(1).وعلى هذا يكون من المؤكد انّ علياً حين لم يحضر السقيفة، كما لم يحضرها أحد من أنصاره ومؤيديه، لم يكن ذلك عن عدم قناعة بضرورة الحضور ظناً بفشل الاجتماع، وعدم توقع لخروجه بنتيجة حاسمة تزيحهم عن مقعد الحكم والقيادة.
بل ربّما كان ذلك للسريّة التي أحيط بها المؤتمر، ومحاولة كتم خبره عن الخط الشيعي خصوصاً، وعن مجموع المسلمين عموماً.
والاّ فبماذا نفسّر عدم اشتراك أحد من المهاجرين سوى أبي بكر وعمر وأبي عبيدة؟ أم انّ مصير الأمة ومصير الإسلام لا يهمّهم جميعاً؟!
على انّا نحسب انّ من التسرّع في الحكم، وعدم التقدير الجيّد للأمور، القول بأن اشتراك علي في المؤتمر كان يضع الحكم بيده، ويحبط كلّ المحاولات الأخرى.
فالشيء الثابت والواضح انّ غلبة المهاجرين على الأنصار في مؤتمر السقيفة ترجع في أحد عواملها المهمّة إلى وحدة صف المهاجرين وتفرق صف الأنصار.
فلقد ذكّرهم أبوبكر بالشجار التاريخي الطويل بينهم، والذي استنزف دماء الأوس والخزرج معاً، وهم بعد قريبوا عهد بهذا الماضي، ومن هنا عادت لهم الذكريات، والأحقاد، والضغائن، بما دعا مشايخ الأوس إلى الإسراع في بيعة أبي بكر، حسداً منهم لسعد بن عبادة شيخ الخزرج، وكان هو مرشح الأنصار للخلافة.
فالمؤرخون يذكرون انّ أوّل من بايع أبابكر بعد عمر وأبو عبيدة، وكان من الأوس، وحين أعاد له أبوبكر ماضيهم الدامي القريب. استجاب للأحقاد الجاهلية العريقة، ونهض ونهض معه من حضر من الأوس، فاضطر الخزرج للبيعة.
أمّا ماذا كان يحدث لو حضر علي (عليه السلام)؟بلا شك انّه سيدعو لنفسه، ويدعو له أنصاره الحاضرون فرضاً، ولا دليل على أنّ قريشاً ستقبل هذا الإقتراح، ولها مع علي ألف حساب. ومن المتوقع جداً انّ مشايخ المهاجرين مثل أبي بكر وعمر وأبي عبيدة سيرفضون هذا الاقتراح أيضاً، انحيازاً لقريش التي كرهت أن تجتمع النبوة والإمامة للبيت الهاشمي.
وفي ظلّ وضع من هذا القبيل، وشجار عميق بين المهاجرين أنفسهم، سيبقى صف الأنصار متماسكاً، بينما يشتغل المهاجرون بأنفسهم.
والظن بأنّ الأنصار سينحازون إلى جبهة علي ليس مصيباً. فان ميول الأنصار في علي عليه السلام لم تمنعهم أن يبادروا إلى عقد مؤتمر السقيفة ومحاولة جرّ الحكم اليهم. ولا دليل على انّهم كانوا يستجيبون لعلي، ويسمعون دعوته وهم يجدون كفتهم راجحة.
وليس بعيداً انّ خصوم علي من قريش سيميلون إلى الأنصار بغاية دحر الامام علي، وربما يكون لهم مع الأنصار نصيب أمّا مع علي فلا شيء لهم.
ونخرج من هذا الحساب بأن علياً لم يكن عالماً باجتماع السقيفة، وانّه لو خفَّ إليه لا دليل على فوزه فيه.
يبقى هذا السؤال:
لماذا لم يبادر علي إلى أخذ البيعة من عمّه العباس وسائر الهاشميين، وبقية أنصاره ومؤيديه، وحينذاك لا يجد من يريد الخلاف سبيلا للخلاف؟
ولقد كانت تلك هي وجهة نظر العباس يوم قال لعلي:
" يا ابن أخي هلم أبايعك فلا يختلف عليك اثنان ".
وأنا اعتقد انّ الاجابة عن هذا السؤال تدعونا إلى طرح سؤال آخر، وهو ماذا سيقال في هذه البيعة؟ وكيف ستواجه؟ وهل صحيح انّها تقطع الطريق على المعارضين؟
لقد كان ميسوراً للمعارضة أن تخرج على هذه البيعة، بحجّة أنّها لم تكن بمشورة من المسلمين جميعاً، أمّا بنو هاشم فهم يجرّون النار إلى قرصهم.
ولعله إلى هذا البُعد كان يشير علي، حين رفض الإستجابة لطلب العباس قائلا:
" لا أحبّ أن يكون هذا الأمر من وراء رتاج ".
على انّ قريشاً كانت على استعداد دائماً لأن تصنع كلّ شيء دون حكم علي، وهي نفسها التي خرجت عليه يوم تمت له البيعة من عامة المسلمين بعد الخليفة الثالث.
حتّى لقد كان علي يقول:
" اللهمّ انّي استعينك على قريش ومن أعانهم، فإنّهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي ".
وإلى هنا أصبح واضحاً أن انفلات الحكم من الامام لا يرجع إلى طبيعة موقفه بعد الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم)، بقدر ما يرجع إلى العداء التاريخي الذين انطوت عليه نفوس قريش لعلي بن أبي طالب، مهما كان منشأ هذا العداء.
وبقدر ما يرجع أيضاً إلى مستوى الوعي السياسي والديني للقضية الذي عاشته الأمة يومذاك على حديث تقدم لنا في ذلك.
والآن ما هو موقف الإمام بعد أحداث السقيفة، وما تمخَّضت عنه؟
هل يقاتل؟ أم يعتزل؟ أم يتنازل عن خطه؟ أم ماذا؟
لقد كانت أمامه أربعة طرق، كان عليه أن يختار منها ما يضمن له سلامة الإسلام، وما يمهّد له أداء مسؤوليّته إتجاه الرسالة.
فالإمام لا يثأر لحق شخصي، أو رغبة في الحكم، وانّما للرسالة التي جُعل أميناً عليها، واختاره الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) لتحصينها وحمايتها.
أمّا ما هي تلك الطرق؟
وأيّها يحقق للرسالة الجزء الأكبر من أهدافها؟
أمّا ان يقاتل بمن معه فيغلب أو يموت دون حقّه؟
وأمّا أن يعتزل الأمة كلها، فلا هو منها ولا هي منه، كما صنع سعد بن عبادة؟
وأمّا إن ينفتح للأمة، ويتصادق مع الحكم القائم، محتفظاً في الوقت ذاته بخطه، وساعياً إلى دعمه، وتصعيده، وتحصينه ليبقى حياً نقياً معبراً عن جوهر الإسلام، يوم تنحرف سائر الخطوط، وتضيع حقائق الرسالة.
ولقد بدا للكثير من الكتّاب انّ الامام ـ على تقدير نص رسول الله، واستخلافه ايّاه ـ كان عليه أن يقاتل، وان يحمل السلاح، وان ينهض ولو وحده. ولو كلّفه ذلك الموت، مادام يؤمن بحقّه في الحكم بوصية من الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) وماذا ينتظر الإمام؟ولماذا يسكت؟
أليس صدقه مع رأيه، وصدقه مع رسالته يدعوه لأنّ يقدِّم نفسه وروحه حرصاً على وصيّة الرسول، وتحقيقاً لأطروحته في الحكم بعده.
أمّا وقد سكت الإمام فذاك دليل على انّه لم يكن معتقداً بوصية الرسول، ولا ذاهباً مذهب الشيعة فيه، " ولو قد علم انّ النبي قد أوصى له لجاهد في إنفاذ أمر النبي ولآثر الموت على خلاف هذا الأمر "(2).
كثيرون يذهبون إلى هذا الرأي، ثم يحتجون بموقف الامام على الشيعة، من حيث انّه لو كان منصوصاً عليه لكان جديراً به بل مسؤولا عن الجهاد.
وأحسب انّ هذا الرأي أريد به هذه الغاية! أريد به مخاصمة الشيعة فيما يدّعون من النص، والاّ فان كل أحد يعرف انّ الجهاد إذا كان يعني الانتحار، وإذا كان يضيّع على الرسالة اكثر مما يجلب لها، وإذا كان لا يحقق صغيراً ولا كبيراً من أهداف الرسالة ولا يسدّ حاجة من حاجاتها، فإن مثل هذا الجهاد ليس هو الجهاد الذي دعا إليه القرآن وحثّ عليه، إنّما هو الانتحار المجنون الذي حرَّمته الشريعة ونهت عنه ترى ماذا كان يحقق للرسالة لو انّه آثر الموت في هذا السبيل؟
أولا: سيحرم الأمة من وجوده وعطائه، ثم لا تملك من تلجأ إليه عند المعضلات، ومن يعزز ثقتها برسالها، ويعمق مذاهبها، ويسّد كل ثغراتها، كما درسناه في المهمات التي توفّر لها الإمام علي (عليه السلام).
ثانياً: وحين يضحي علي بنفسه يكون قد ضحى بالخط الشيعي كلّه.
الخط الذي أريد له أن يحمي وجود الإسلام، كما يحمي حقائق الإسلام من محاولات التشويه والتحريف والتفريغ.
ولقد رأينا وسوف نرى انّ تاريخ التشيع كان دفاعاً مرّاً مستميتاً عن الرسالة، الرسالة النقيّة النظيفة كما نزل بها القرآن، وحدّث بها رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم).ويومذاك لم يكن الخط الشيعي سوى أطروحة لم تأخذ طريقها إلى الوجود الخارجي بعد، وكان علي هو المسؤول عن بناء قواعدها، وترسيخ خطها، وتعميق مفاهيمها كما رأينا في حديث سابق.
أمّا إذا آثر الموت السريع الارتجالي، وفي غمرة ساعات بل لحظات ضحى بوجوده، وبكل الطليعة الواعية المخلصة للإسلام حقّ الإخلاص، عمار وأبوذر وسلمان والمقداد. فمن يبقى للرسالة؟ ومن يبقى للأمة الفتيَّة التي تواجه مخاطر الموت؟ ومن سيعرف موقع التشيع من الرسالة، ومدى صدقه في التعبير عنها.
إنّ هؤلاء يمثلون اللبنة الأولى للتشيع، وحينما ينتهي هؤلاء قبل أن يخلقوا من يسير على نفس الخط، ويحمل نفس الدرجة من الوعي والإخلاص والإلتزام. فذلك يعني موت الخط كاملا، ويبقى المجال مفتوحاً أمام سائر الخطوط لترسم الإسلام للأجيال الآتية حسب طريقتها، وحسب درجة إخلاصها ووعيها للرسالة.
صحيح انّ التضيحة قد تكون طريقة للبناء، وتعزيزاً للوجود، ووثيقة الإنتصار والخلود التاريخي، لكن هذا الكلام إنّما يصح حينما يكون المبدأ قد استكمل بمحتواه النظري، وحصن وجوده الخارجي من الفناء. أمّا إذا كان المبدأ يعيش في المهد فالتضحية بالنسبة له تعتبر انتحاراً، ومجازفة محرّمة.
ألسنا نعلم انّ الإسلام منع أنصاره حمل السلاح ومجابهة قريش، يوم كان المسلمون قلّة، لا يؤمن عليهم من الموت المستغرق، حتّى إذا هاجر الرسول إلى المدينة، وأصبح معلوماً انّ كلمة الإسلام قد رسخت أعلن الجهاد وحمل السيف.
والتشيع بعد الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) يعيش بداياته التاريخية الأولى، ولم يكن واضحاً بعد حقيقة هذا الإتجاه، بل كان بحاجة إلى فترة زمنية تتضح من خلالها الأبعاد والتصوّرات الواقعية التي يحملها، ويؤمن بها.
كما أنّ السائرين في هذا الإتجاه لم يكونوا عدداً بمستوى يضمن بقاء بعضهم ليواصل السير، ويعلن للآخرين الحقيقة.وإذا كان التشيع يعني الإسلام، كما أراده محمد (صلی الله عليه وآله وسلم) والقرآن، فإنّ مصير الإسلام مربوط إذن بمصير التشيع، وانّ أي خطر يواجه التشيّع يواجه الإسلام بالذات. وحينئذ تكون التضحية بالتشيع تضحية بالإسلام، لأن الخطوط الأخرى التي لم تهضم الإسلام، ولم تستوعبه، ولم تندمج مع مفاهيمه وقيمه تماماً هي التي ستحكم، وهي التي ستشرح للأجيال مفاهيم الإسلام، وترسم لهم صورته، وتضع تفاصيله، وحينذاك تبدأ عملية التحريف ـ عمداً أو خطأً ـ وبالتدريج يفقد الإسلام لبّه وجوهره، وحيث لا يبقى منه الاّ القشور فإنّ الأمة سترفضه لا محالة، وهناك يموت تماماً.
انّ من الخطأ أن نعقد قياساً بين نهضة الامام ـ لو أراد أن ينهض ـ وبين نهضة الحسين (عليه السلام) مثلا.
فالحسين يوم ثار كان التشيع له وجوده وقواعده العريضة، ورغم انّ الحسين قد قتل، الاّ انّ التشيع ظلّ حيّاً بل ازداد حياةً وتصلباً، لماذا؟ لأنّ القواعد الشيعية كانت موجودة ومبثوثة، ولأنّه كان هناك من يشرح للناس خطّ الحسين، وثورة الحسين، ويفضح كلّ محاولات التشويه والتمويه لثورته وحركته وخطّه.
لكن من كان يقوم بهذا الدور لو أنّ علياً وأنصاره ومؤيديه قدّموا أنفسهم مرّة واحدة وبسرعة وقبل أن يقولوا للناس أي شيء، وقبل أن يعرف الناس عنهم أي شيء، سوى طلب الحكم، والتوصل للسلطة؟!
بلا شك ستضيع هذه الحركة، وتنتهي. كما انتهى سعد بن عبادة مثلا، ثم لا يعرف الناس عنها الاّ انّها حركة وصولية غير واعية، ولا مخلصة للإسلام. الذين يرديون من علي أن ينهض في وضع من هذا القبيل يقعون في مغالطة واضحة، فالجهاد واجب والأصحار بالحق واجب، لكن حيث يكون ذلك خطوة نجاح، أمّا إذا كان خطوة موت، وطريقألسنا على الحق؟ إذن لم نعط الدنية في ديننا؟
انّه يعرف الحقّ، ويعرف انّه على الحق، ولكنه صالح لأنّه وجد الصلح أعود لرسالته، ولأمّته الفتية الجديدة، وانّهم لفاتحون على أي حال اليوم أو في الغد. وفي ضوء هذا الفهم ينبغي أن يوضع السؤال بهذه الصيغة:
كم هو احتمال النجاح في نهضة الامام لو أراد أن ينهض؟
وهل صحيح انّ نهضته تعني الانتحار؟
أمّا في نظر الإمام نفسه فالأمر كذلك، والنصوص التي بأيدينا تاريخياً تؤكد انّه (عليه السلام) كان لا يتوقع لثورته النجاح، أي مقدار من النجاح.
ومن خلال هذه النصوص يبدو وكأنّ الامام مستعد للقتال، وللثورة، لو توفرت له شروط النجاح، أما وهو لا يجد ذلك فجدير به أن يلتزم الصمت. لقد كان يقول:
" لو وجدت أربعين ذوي عزم لناهضت القوم ".
ويقول وهو يشرح حقيقة ما جرى بعد رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم):
" فنظرت فاذا ليس معي الاّ أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت واغضيت على القذى ".
ولطالما خيّر الامام علي نفسه بين النهوض وبين الصمت، ثم يؤثر الصمت، لأنّ فيه سلامة المبدأ. وهو يصوّر لنا هذا التردد والخيار حيث يقول:
" وطفقت ارتئي بين أن أصول بيد جذا، أو أصبر على طخية عمياء... فرأيت الصبر على هاتى أحجى " لأن اليد الجذاء لا تصنع شيئاً، ولا تستطيع أن تصول.
وفي رواية اليعقوبي انّه:
" اجتمع جماعة إلى علي بن أبي طالب يدعونه إلى البيعة، فقال لهم: اغدوا عليّ محلّقين الرؤوس، فلم يغد عليه الاّ ثلاثة نفر ".
وهكذا فقد كان الامام مقتنعاً كلّ القناعة بأن ثورته لا تحقق له النصر.
أمّا صحة هذه القناعة فهو شيء أكيد، وانّ نظرة تحليلية سريعة توضح لنا عدم التكافؤ بين جبهة الإمام وجبهة مناوئيه.
من سيشترك مع الإمام، ومن سيدخل جبهة المناوئة؟
القوى الحاكمة ستقف ضد علي بالطبع، لأنّه طالب فتنة، وناهض بغير حقّ، هكذا في نظرها. وانّها لم تعفه من البيعة يوم تأخَّر عنها فكيف تراها لو شاهدت علياً بجمع الجموع. فانّ الصدق هنا مع المبدأ، والإخلاص له، يطلب السكوت والتريث.
لقد هدّد علي بالقتال، وعرّضت داره للإحراق، لأنّه تخلّف عن البيعة، واعتزل الناس! فكيف لو دعا لقتال؟
والحكم القائم لم يكن مستعداً للتنازل أمام علي، بل ولا الإصغاء إليه. وبأي مقصد كان ذلك فانّ علياً سوف لا يجد أمامه الاّ السيف.
والحكم القائم كان مضطراً لتحصين نفسه لضرب أي حركة مضادّة، وقمعها بقسوة، وبسرعة، حتّى ولو كان القائم بها هو الإمام علي (عليه السلام).
ثم انّ هناك قريش ـ وما أدراك ما قريش ـ مملوءة حقداً وحسداً وضغينة للإمام، فأين تراها ستكون؟
وسوى هذا الحقد والحسد والضغينة، فإنّها تعرف علياً جيداً، وتعرف مصيرها لو ولي الحكم علي. انّه لا يرى لها فضلا ولا كرامةً إلاّ بمقدار ما تعطي للإسلام، ثم هي ذات طمع في الحكم، ولو حكم علي فالأمر لن يصل إليها أبداً علي نفسه يحدّثنا عنها بالقول:
" انّها تنظر في صلاح شأنها، وتحتاط لمنافعها، فتقول: انّ ولي الأمر بنو هاشم لم يخرج منهم أبداً، فاذا كان في غيرهم تداولته بطون قريش ".
وهناك بنو أمية خاصة، وبينهم وبين بني هاشم عداء طويل، ولقد دعا أبو سفيان أولا لعلي، ثم ما لبث أن صافح الحكم القائم يوم أعفاه مما بيده من خمس نجران، وولى ابنه يزيد الشام.
وهناك المنافقون، وجود ضخم خطر طالماً أقلق الرسول أيام حياته. ولقد كانوا يُعرفون على عهده ببغضهم لعلي، وهم بعد الرسول أشدّ منهم أيامه، وأحرص على الوقيعة بالإسلام والمسلمين.
ولقد كان بغضهم لعلي بغضاً للرسالة، وبغضاً للرسول، فعلي يمثل الرسول، دمه ولحمه ونفسه، وهو منه بمنزلة هارون من موسى، وانّه لأخوه في الشدائد والملمات، كما أخوه في ساعة اليسر والعافية. وانّهم ليعلمون انّ طعنهم وتجريحهم لعلي ايذاءً للرسول، حتّى لقد كان يقول: " لا تؤذونني في علي " يكرّرها ثلاثاً، ثم لا يعبئون، ثم يعودون للطعن في علي كأن لم يسمعوا ولم يعووا.وعلي يمثل محتوى الرسالة، في تضحياته، وأخلاقه، وسلوكه، وشدّته في الله، انّه التجسيد الحي لكل قيم الرسالة الجديدة، انّه الإيمان كلّه وسوى ذلك فانّه السيف الذي ارغم انوف قريش وغير قريش حتّى أسلمت، ولو لا سيف علي لم تقم لهذا الدين قائمة.
وانّهم ليعرفون انّ علياً هو الرجل الذي اعدّه الرسول ليقاتل على تأويل القرآن، كما قاتل على تنزيله.
والقتال على التأويل يعني القتال من أجل الحفاظ على المحتوى الحقيقي للإسلام، وأحباط كلّ محاولات التحريف والتزييف.
ثم ان علي هو مرجع الأمة عند الفتن، وانّه لعلى الحقّ أبداً ودائماً، كما انّ الحقّ معه. والمنافقون لا يريدون الحقّ ولا يأنسون به، في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً.
هؤلاء، ذوو النفاق، المبثوثون بين المسلمين، من علم الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) منهم ومن لم يعلم، حتّى ليحدِّث عنهم القرآن: {وَمِنْ اَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِفَاقِ لاَ تَعْلَمهُمْ نَحْنُ نَعْلَمهُمْ}.
هؤلاء جميعاً بكل قواهم وكل عددهم، وكل قابلياتهم على التخريب أين سيقفون؟
علي هو الرسالة وعلي هو الرسول، وهم أعداء الرسالة والرسول! فهم عليه، وهم جبهة وحدهم ضدّه، ولو كلَّفهم سفك المهج! أمّا الأعراب:
من ارتدّ منهم عن الإسلام فقد ارتدَّ، ومن بقي على الإسلام كم هو إخلاصهم للإسلام، واستعدادهم للتضحية؟
وكم هو وعيهم لقضية علي؟
انّهم سمعوا مقالة رسول الله فيه، من شهد منهم غدير خم فقد شهد، ومن لم يشهد فقد بلّغه الشاهدون مقالة الرسول: " من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه.. ".
انّهم من هذا يعرفون علياً، لكن لا يعرفون منه الاّ انّه رجل سابق إلى الإسلام، وقريب إلى الرسول، وقد استخلفه من بعده:
أمّا حقيقة هذا الإستخلاف؟ أمّا موقع علي من الرسالة الذي دعا الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) لأن يستخلفه، ولأن يأمر الأمة بلزومه عند الفتن؟
أمّا المخاطر التي ستترتب على صرف الحكم عنه، واعطاء القيادة لغيره فتلك أمور لا يعرفها الأعراب!
وفي نظرهم إذا كان علي سابق إلى الإسلام، فأبوبكر من السابقين أيضاً، ثم هو شيخ من شيوخ قريش، وقد رضعته قريش نفسها، وجدير بعلي أن يتنازل له عن حقّه، ولا يحدث فتنة في الأرض وفساد كبير.
من المؤكد انّ الأعراب يفهمون قضية علي بهذه الطريقة، حقّ شخصي، ربما اندفع الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) إليه بوحي من عاطفة، وودّ يكنّهُ لعلي، ليس غير.
وإذا كانت المسألة تحتل هذا الموقع في أفكارهم وأنفسهم، فلا داعي حينئذ للحرص على خلافة علي، والتضحية من أجلها سوف لا تعني في نظرهم الاّ التضحية من أجل مصلحة شخصية يطمع فيها علي.
على انّ القوى الحاكمة ـ وهي قد سبقت إلى الحكم ـ سترسم للناس صورة علي كما لو كان صاحب فتنة، وداع للشقاق، وممزّق لصف المسلمين، في يوم أحوج ما يكونوا فيه إلى الوحدة والوئام.
وهي صورة قريبة إلى الصدق جداً فيمن لا يعرف حقيقة الأمر، وهم لا يعرفون بالطبع كما شرحنا.
ولئن قنع الأعراب بهذه الصورة، أو لا فإنّهم سيقبلون الشك في علي وفي ثورة علي لا أقل، وحينما يأتي الشك لا يبقى أحد مستعدّ للتضحية.
والواقع انّ حكومة السقيفة جرّبت هذا السلاح، وأعطت للناس هذا المفهوم عن علي مقدّماً.
لقد قال أبو عبيدة وهو يدعو علياً للبيعة:
" ولا تبعث الفتنة في أوان الفتنة، فقد عرفت ما في قلوب العرب وغيرهم عليك ".
وسواء صحّت الرواية عن أبي بكر انّه قال في علي خاطباً المهاجرين والأنصار: " مربّ لكل فتنة، كُأمِ طحال أحبُّ أهلها إليها البغي " أو لم تصح، فإنّ هذا الأسلوب لم يكن بعيداً عن منطق الحكم القائم.
والأعراب المخلصون يعرفون حاجة الأمة إلى الوحدة أمام المخاطر التي تحف بها، وانّهم سيدعون لذلك بكلّ اخلاص، فهل تراهم سيشتركون مع الإمام في خوض حرب داخلية لا يعرفون أبعادها حقيقة.على انّه ليس ببعيد انّ حدوث مثل هذا الشقاق سيدعو إلى مزيد من الإنفلات عن الإسلام، وارتداد الأعراب عنه.
وكان علي جيد الملاحظة لهذه النقطة بالذات، انّه يحدّثنا عن نفسه فيقول: " فأمسكت يدي حين رأيت راجعة الإسلام قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد (صلی الله عليه وآله وسلم) فخشيت ان لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم ".
على انّ القوى الحاكمة لا تعجز عن إقناع بعض القبائل بضرورة الاشتراك معها في القتال، وهي لا تمتنع أن تشتريها بالوعود.
وهذا أمر قد حدث بالفعل، فما ان أخذت البيعة لأبي بكر حتّى دخلت قبائل "أسلم" ومعها السلاح، ويومذاك قال عمر: " ما هو الاّ أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر ".
ولو تجاوزنا موقف قريش، والمنافقين، والأعراب، فما هو موقف الأنصار؟ معلوم انّهم كانوا يظهرون الميل لعلي، حتّى قال قائلهم: " لا نبايع الاّ علياً " لكن هل تراهم مستعدين لقتال؟
انّ علياً دعاهم أربعين ليلة، كان يصطحب الزهراء (عليه السلام) يطوف بها على بيوتهم واحداً واحداً، وهم يعتذرون إليه.
ألا " قد سبقت بيعتنا لهذا الرجل ".
ويقول له بشير بن سعد:
" لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار يا علي قبل بيعتهم لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان ولكنهم قد بايعوا!! ".
من بقي في جبهة علي؟
بقي الهاشميون، وبقي أنصار له من غير الهاشميين لا يتجاوزون العشرة، ولنا أن نشك حتّى في رؤية الهاشميين!
في استعدادهم للتضحية، وقناعتهم بصحة الحرب.
ففي رواية الاحتجاج عن علي (عليه السلام) انّه قال:
" ولقد راودت في ذلك بقية أهل بيتي، فأبوا عليَّ اِلاّ السكوت، لما علموا من وغارة صدور القوم ".
علي وحده إذن، ويده جذاء.
ولو وجد أربعين ذوي عزم لناهض القوم.أما وهو لا يملك عشرة فالحرب بالنسبة له تعني التهوّر والتسرّع والانتحار. الانتحار لا بنفسه فقط، وانّما بمصير الرسالة، وحياة الرسالة التي جعل أميناً عليها.
فأي معنىً بعد هذا يبقى لقول القائلين، كان عليه أن يتحرك، وأن يثور، وأن ينهض، وأن يقدّم نفسه رخيصة للموت؟!
ولو قد فعل ذلك علي، لكان هو المسؤول قبل غيره عن مصير الرسالة! فهذا الطريق إذن هو الطريق المسدود، ولو سلكه علي لارتطم بالحجر.
المصادر :
1- أعيان الشيعة، 20: 276 نقلا عن شرح النهج.
2- الشيخان، طه حسين: 25.

source : راسخون
user comment
 

آخر المقالات

  فضائل الإمام الحسن علیه السّلام
  علي وزير النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم
  المکاره في الاسلام
  السيدة زينب في الكوفة
  الميزان
  الشیخ المُفید
  الان اترک التدخين
  رسائل الإمام الصادق عليه السلام
  ثقافة العداوة
  الأخلاق الإجتماعية في نهج البلاغة – الأول